علم الفرق الإسلامية (مقدمات منهجية) مصطفى بن محمد شريفي

علم الفرق الإسلامية لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٢٠

تأويلاتهم بين مقتصد ومغالٍ ومتوسِّط بينهما(1).

3 - الإفرادُ والتركيبُ: وَذَلِكَ كأن يأخذ مذهب بآية أو حديث، ويأخذ الآخر بحديث آخر، ويجمع الثالث بمجموع آيات أو أحاديث، فيخصص أو يقيد بعضها بِبَعْض، فيختلف الحكم بينهم نتيجة لِذَلِك.

4 - الخصوصُ والعمُوم: قد تأتي في القرآن والحديث عمومات وخصوصات لا يَتَّفِقُ العلماء في تعميمها أو تخصيصها، كاتفاقهم عَلَى العمومِ في قَوله تَعَالىَ: ﴿يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ﴾ (سورة الحجِّ: 1)، وَعَلَى الخصوصِ في قوله تَعَالىَ: ﴿الذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ (سورة آل عمران: 173)، واختلافهم في عموم قَوله تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ يَّعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ (سورة الجن: 23)، فخصَّصه منكرُو الخلودِ بروايات خروج عصاة الْمُوَحِّدِينَ من النار بالشفاعة، بينما أبقاه الآخرون عَلَى عمومه باعتبار تلك الروايات آحادية، ومناقضة لِمَا هو أقوى منها.

5 - الروايةُ والنقل: «اعلم أَنَّه تعرضُ للحديث عللٌ فتحيلُ معناه؛ فَرُبَّمَا أوهَمت فِيه مُعارضة بَعضه ببعض، وَرُبَّمَا وَلَّدت فِيه إشكالاً يُحيجُ العلماء إِلَى طلبِ التأويلِ البعيد»، فقد تكون العلل من جهة الإسناد أو المتن، أو النقل بالمعنى، أو التصحيف، أو نقل بعضه، أو نقله دون سببه.

6 - الاجتهاد والقياس: فمنهم من يرفض القياس ومنهم من يأخذ به، ومن هَؤُلاَءِ من يختلف قياسه عن الآخر …

7 - الناسخ والمنسوخ: فمنهم من يرفض النسخ ومنهم من يأخذ به، ووقع الاختلاف بين هَؤُلاَءِ في مجال النسخ (الأخبار، الأوامر والنواهي … )، وهل تنسخ السُّنَّة القرآن؟ وما هي الأحكام المنسوخة؟ … وَهَذَا خاصٌّ بالفقه؛ لأَنَّ النسخ لا يجوز في العقائد والأخبار.

8 - الإباحَة والتوسيع: كاختلاف الناس في الأذان والتكبير عَلَى الجنائز، والتكبير أَيَّام التشريق …

وكما نرى فإن أغلب هذه الأسباب تَتَعَلَّقُ بطرق الاستنباط من النصوص، وفيها ما يَخْتَصُّ بالفقه كالنسخ والإباحة والتوسيع. ونضيف أسابا أخرى نوجزها في الآتي:

1 - موقف الفرق من العقل وحدوده(2)، ما بين مغال في استخدامه (الإفراط)، ومغال في رفضه (التفريط). فقد وُسِم المعتزلة وَالإِبَاضِيَّة ومحققو الأشاعرة بالإفراط في استخدامه، بينما عُرف أهل الحديث والسَّلَفِيَّة في التفريط فيه والتوجُّس منه. وقد اعتبر أحمد أمين ذَلِكَ اختلافا طبيعيا يحدث في كُلِّ

(1) إِنَّ تأويل النصوص التي لا يوافق ظاهرُها مذهبَ الْمُتَكَلِّم ظاهرةٌ عَامَّة لِكُلِّ المذاهب، بما فيها المذاهب التي ترفض المجاز. مثال ذَلِكَ: تأويلات أهل السُّنَّة للآيات والأحاديث النافية رؤية الله، والنافية الخروج من النار، والمصرِّحة بالخلود فيها لِكُلِّ من يدخلها. (ينظر: الخليلي: الحق الدامغ، في مسألتي: الرؤية والخلود). وكذا تأويلاتهم لبعض الأحاديث التي لا تتوافق مع حقائق التاريخ ومبادئ القرآن الكريم، باعتبارها صحيحة رواها الشيخان أو أحدهما. (ينظر: عبد الجواد ياسين: السلطة في الإِسلاَم، ص201 إلى آخر الكِتَاب، ص348).

(2) لا يخفى أَنَّ إعمال العقل مبدأ أصيل في الإِسلاَمِ (خلافا للديانات الأخرى السَّمَاوِيَّة الْمُحَرَّفَة أو الْوَضْعِيَّة) فقد دعا القرآن الكريم مرارا إلى إعمال العقل في عِدَّة جهات: - التدبر في ملكوت الله، لاكتشاف عظمة الله وقدرته وجلائل نعمه. - التدبر في آيات القرآن الكريم. - مجادلة المشككين والمنكرين بالحكمة والبرهان.

٢١ / ٣٨