علم الفرق الإسلامية (مقدمات منهجية) مصطفى بن محمد شريفي

علم الفرق الإسلامية لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٢١

أُمَّة، ومثَّلهم بالمحافظين والأحرار(1).

2 - موقفها من السُّنَّة: اختلفت مواقف الْمُتَكَلِّمِينَ في الأخذ بِالسُّنَّةِ في الاعتقاد إلى ما يأتي:

- منهم المفْرِط في الأخذ بها، إذ حَشَر الروايات دون تمييز بين الصحيح منها والضعيف، ولا بين الواضح الدلالة وغيره. والمهمُّ عنده نصرة مذهبه بشتى الأساليب والطرق. وَهَؤُلاَءِ لا تكاد تخلو منهم فرقة أو مذهب.

- ومنهم من أخذ بالصحيح منها ولو كان آحاديًّا، عَلَى حساب الْقَطْعِيَّات، باعتبار أَنَّ الآحاديَّ يفيد العلم. وهم السَّلَفِيَّة وجماعة من أهل الحديث، وَبَعض الأشاعرة(2).

- ومنهم من أنكر السُّنَّة جملة وتفصيلا، وَهَؤُلاَءِ برزوا في هَذَا العقد الأخير بشكل ملفت، وَسَمَّوا أنفسهم: أهل القرآن(3) (ربما في مقابل: أهل السُّنَّة).

- ومنهم من تبنَّى موقفا وسطا، فقال: الحديث المتواتر يؤخذ به في الاعتقاد، وما سواه من الآحاد لا يعتدُّ به في الاعتقاد؛ إذ هو ثمرة اليقين، والآحاديُّ ظَنِّيُّ الثبوت. واختلف هَؤُلاَءِ إلى موقفين: أحدهما: طبَّق هَذِهِ النَّظَرِيَّة في فروع الاعتقاد (كالمعتزلة والإِبَاضِيَّة) فنفوا رؤية الله والشفاعة لأهل الكبائر وخروج الْمُوَحِّدِينَ من النار؛ لأَنَّهَا وردت بطريق آحادي. ثانيهما: لم يلتزم به أو لم يطبِّقها بإطلاقها، كبعض أهل السُّنَّة (لاسيما الأشاعرة(4) والماتريدية) الذين يعترفون بظنِّيَّة خبر الآحاد، إِلاَّ أَنَّهُم حاولوا التوفيق بينها وبين نصوص القرآن النافية للرؤية والشفاعة والخروج من النار فأوَّلوها بمختلف الأساليب(5). هَذَا فيما يَخُصُّ إشكالات الآحادي.

أَمَّا إشكالات الأحاديث المتواترة فهي:

* هل هي موجودة أم لا؟ وإذا وُجدت فهل تواترها لفظي أم معنوي؟ قال ابن حبَّان: لا وجود لها. وقال ابن الصلاح: وجودها نادر. وقال ابن حجر: موجودة بكثرة لفظا ومعنى(6).

* في حال ثبوت وجودها، هل تتناول مسائل كَلاَمِيَّة أم لا؟ الجواب: إذا تَعَلَّقَ الأمر بالقضايا الْعَقَدِيَّة الإجمالية الْمُتَّفَق عَلَيْهَا، فلا تزيدها تلك الروايات قُوَّة لثبوتها القطعي بالقرآن الكريم. وَأَمَّا إذا تَعَلَّقَ الأمر بالمسائل الْكَلاَمِيَّة فالعلماء لم يُصَرِّحُوا بالتواتر فيها تواترا لَفْظِيًّا، غاية ما ادَّعوه وجود التواتر المعنوي حول بعض المسائل، كنزول المسيح والدجال وعذاب القبر والحوض والشفاعة.

(1) أحمد أمين: ضحى الإسلام، 3/ 18.

(2) الأشاعرة يحتجُّون «بخبر الآحاد في مباحث عَقَدِيَّة مخصوصة، وَخَاصَّةً فيما لا مجال للعقل فيه، كالغَيْبِيَّات الصرف». جيدل: مدخل، ص131.

(3) ينظر: أحمد صبحي منصور: القرآن وكفى مصدرا للتشريع. وينظر موقعهم في الإنترنت: «أهل القرآن».

(4) ينظر: الجويني: الشامل، ص556 - 561. والإرشاد، ص161. (نقلا عن جيدل: مدخل، ص131).

(5) ينظر: القنوبي، سعيد بن مبروك (معاصر): السيف الحاد في الردِّ عَلَى من أخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد، ط3، 1418هـ. وننبه إلى أننا مع موافقتنا المؤلف على أَنَّ الآحادي ظَنِّيٌّ، إلا أننا لا نوافقه على أسلوبه العنيف!.

(6) ينظر: السيوطي: تدريب الراوي، 2/ 179.

٢٢ / ٣٨