علم الفرق الإسلامية لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٢٢3 - الاعتماد عَلَى حديث الافتراق المشهور، وهو أَنَّ رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهُمْ إِلَى النَّارِ مَا خَلاَ وَاحِدَةً نَاجِيَةٌ، وَكُلُّهُمْ يَدَّعِي تِلْكَ الْوَاحِدَةَ»(1). فكُلُّ فرقة تحتكر الحقَّ في جانبها، وتنفيه عن غيرها. والعلماء مختلفون بشأن هَذَا الحديث إلى المواقف الآتية(2):
- منهم من صححه، باستثناء «كلها في النار إِلاَّ واحدة»(3).
- ومنهم من صححه من أَوَّله إلى منتهاه. ومن هَؤُلاَءِ من قَطَع بِأَنَّ فرقته هي الناجية(4)، ومنهم من لم يعيِّنها بالاسم وَإِنَّمَا بالوصف(5).
- ومنهم من صحَّحه كَذَلِكَ بكامله؛ إِلاَّ أَنَّهُ أَوَّلَ لفظة: «أُمَّتِي» بأُمَّة الدعوة (أي كُلُّ الناس بعد بعثة النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم) لا أُمَّة الاستجابة فقط، فتكون الأديان الباطلة غير الإِسلاَمِيَّة هِيَ المقصودة بالمصير إلى النار، «وليس المراد بها الفرق الإِسلاَمِيَّة من معتزلة ومرجئة وجهمية وخوارج … إلخ»(6).
(1) رواه الربيع بن حبيب (واللفظ له)، بَابٌ فِي الأُمَّةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، رقم: 41، ص36.
والترمذي بلفظ: «تَفَرَّقَتْ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ أَوْ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَالنَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً»، وقال: «حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ». كِتَاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هَذِهِ الأُمَّة، رقم: 2640، 5/ 25. وله أَيضًا بزيادة في أَوَّله وفي آخره: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ … قَالُوا وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي»، وقَالَ: «حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مُفَسَّرٌ لاَ نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ». نفس الكِتَاب والباب، رقم: 2641، 5/ 26.
وأبو داود في كِتَاب السُّنَّة، باب شرح السُّنَّة، رقم: 4596، 4597، 4/ 197 - 198. بزيادة «وهي الجماعة» وبدونها.
وابن ماجة، كِتَاب الفتن، باب افتراق الأمم، الأرقام: 3991 - 3993، 2/ 1321 - 1322.
وأحمد، عن أبي هريرة، باقي مسند المكثرين، رقم: 8377، 2/ 332. وعن أنس، مع اختلاف في اللفظ، رقم: 12501، 3/ 145 …
وقد أورد الشاطبيُّ جملة من روايات الحديث، وقام الْمُحَقِّقُ بعزوها وذكر درجتها. ينظر: الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسىللخمي الغرناطي المالكي (ت: 790هـ): الاعتصام، تحقيق: سَيِّد إبراهيم، دار الحديث، القاهرة، 1424هـ/2003م، 2/ 423 - 425.
(2) ينظر: جيدل: مدخل، ص120 - 124.
(3) مال إليه ابن الوزير في العواصم من القواصم.
(4) من الإِبَاضِيَّة: الوارجلاني في الدَّلِيل والبرهان، 1/ 9 (ترقيم الشاملة) ورغم اعترافه بِأَنَّهُ ليس متواترا، إِلاَّ أَنَّهُ دافع عن الإِبَاضِيَّة واعتبرها هي الناجية (1/ 45 فما بعد. ترقيم الشاملة). ومن السَّلَفِيَّة: ابن تيمية، ينظر: كتبه ورسائله، 3/ 179، 345. ومن الأشاعرة أغلب كتاب المقالات، كالإسفراييني والبغدادي والإيجي.
(5) ينظر: الشاطبي: الاعتصام، 2/ 495. قال فيه: «فإذا تقرر هَذَا [أَنَّ من مقاصد الشرع الستر عَلَى هَذِهِ الأُمَّة] ظهر به أَنَّ التعيين للفرقة الناجية بالنسبة إِلَيْهَا اجتهاديٌّ لا ينقطع الخلاف فيه، وإن ادُّعي فيه القطع دون الظن فهو نظريٌّ لا ضروريٌّ». ولا ينبغي تعيين الهالكة منها، لوجوب الستر أَيضًا. غير أَنَّ الذي يعتب عَلَيْهِ هو استثناؤه الخوارج من الستر (ص440 - 447)، فينبغي ـ في نظره ـ أن يُذكَروا لِمَا نُقل عنهم من أعمال شنيعة، وصرَّح بلعنهم (ص452). والخطير في الأمر أَنَّهُ يحشر الإِبَاضِيَّةَ معهم، والواقع يشهد بِأَنَّ الإِبَاضِيَّة برءاء من تلك الفظائع!.
(6) البوطي: المذاهب التوحيديَّة والفلسفات المعاصرة، ص25.
وقد اعتمد في فهمه هَذَا عَلَى الروايات التي تثبت دخول الجَنَّة لِكُلِّ من لقي الله لا يشرك به شَيْئًا. وعَلَى رواية ساقها الترمذي بلفظ: «كلها في النار إِلاَّ مِلَّة واحدة»، والملة تطلق عَلَى الديانة لا عَلَى الفرقة.
والرواية التي يشير إليها قال عنها الترمذي: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مُفَسَّرٌ لاَ نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ». ينظر: سنن الترمذي: كِتَاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هَذِهِ الأُمَّة، رقم: 2641، 5/ 26. فضلا عن أَنَّ في سندها: «عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ الأَفْرِيقِيُّ»، وثقه يحيى بن سعيد القطان من جهة، وترك الحديث عنه من جهة أخرى، وقال ابن مهدي: «لا ينبغي الحديث عنه»، وقال الإمام أحمد مَرَّة: «ليس بِشَيْءٍ»، وقال مَرَّة: «لا أكتب حديثه». (برنامجا الكتب التسعة والألفية).