علم الفرق الإسلامية لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٢٣- ومنهم من نفى صِحَّته أصلا(1).
- ومنهم من مال إلى رواية مناقضة، تَنُصُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ الفرق في الجَنَّة إِلاَّ واحدة، وهم الزنادقة(2).
ومثل حديث الافتراق روايات منسوبة إلى الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم تستنقص طوائف بعينها، كالمرجئة والقدرية … أو تُلصق بِبَعْضها وإن لم تذكر باسمها، كما ينزِّل كتَّاب المقالات حديث المروق من الدين دوما على الخوارج(3).
4 - عدم التمييز بين مسائل الرأي ومسائل الدين (أو الأصول والفروع، أو القطعي والظني، أو الملزم وغير الملزم)(4)، أو بين النصِّ والتاريخ (حسب تعبير د. عبد الجواد ياسين)، أو بين الدين والخبرة الْمَعْرِفِيَّة الإِسلاَمِيَّة (حسب تعبير د. عَمَّار جيدل)(5). وعدم التمييز أَدَّى إلى إطلاق الألسنة بالتفسيق والتبديع والتضليل والتكفير(6).
5 - ميزة الإسلام أَنَّهُ دين دعوة: إِنَّ المسلم مُكَلَّف بنشر الإِسلاَمِ ودعوة غير المسلمين إلى هَذَا الدين الحنيف، مهما تنوَّعت ثقافاتهم، امتثالا لأمر الله تَعَالىَ في قوله: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
(1) وهو ابن حزم، إذ قال عنه وعن رواية: «القدرية والمرجئة مجوس هَذِهِ الأُمَّة»: «هَذَان حديثان لا يَصِحَّان أصلا». الفصل في الملل والأهواء والنحل، 3/ 138. (مكتبة العقائد).
(2) الغزالي أبو حامد محَمَّد بن محَمَّد: فيصل التفرقة بين الإِسلاَمِ والزندقة، حققه وعلق عَلَيْهِ: محمود بيجو، دار البيروتي، دمشق، الطبعة الأولى، 1430هـ/2009م، ص53 - 54. ينظر تحقيق الحديث وتأويله في كشف الخفاء للعجلوني، 1/ 169. وَصَرَّحَ ابن حجر في الميزان بِأَنَّهُ موضوع. لسان الميزان، ترجمة رقم: 1664 (ترجمة خلف بن ياسين) 2/ 405.
(3) ينظر: ناصر السابعي: الخوارج والحقيقة الغائبة.
(4) يرى الدكتور جيدل أَنَّ ما سوى قطعي الثبوت والدلالة ضروريٌّ للالتزام، وليس ضروريا للإلزام؛ توضيح ذَلِكَ أَنَّ ضرورة الالتزام بالشرع وتعاليمه تفرض علينا قبول النصوص وإن كانت ظنِّيَّة الثبوت أو الدلالة (وبالطبع لا بُدَّ أن تكون صحيحة)، ولكن لا يمكن إلزام الغير بها؛ لأَنَّهَا لا تخرج عن دائرة الاجتهاد. ولا يمكننا إبعاد الظَّنِّيِّ بِالكُلِّيَّةِ؛ لأَنَّ الإخلال بها مفضٍ إلى الإخلال بالكلي، أو القطعي. ينظر: مدخل، ص49 - 50.
(5) فضَّل استخدام مصطلح «الخبرة الْمَعْرِفِيَّة» بدل «التراث» لأَنَّ الأولى تحمل معنى إمكانية الاستمرار، وَأَمَّا التراث فيحمل معنى التأخر والتخلف. حسب تصوره. ينظر: جيدل: مدخل، ص49 (هامش). وبوهلال: إسلام المتكلمين، ص28.
(6) ينظر رسالة أبي حامد الغزالي في الموضوع: فيصل التفرقة بين الإِسلاَمِ والزندقة. الكِتَاب كُلُّهُ (مع تحفظ في بعض المسائل الخلافية). وقال ابن تيمية: «والذي نختاره: أن لا نكفِّر أحدا من أهل القبلة، والدليل عَلَيْهِ نقول: المسائل التي اختلف أهل القبلة فيها، مثل: أَنَّ الله عالم بالعلم أو بالذات؟ وَأَنَّهُ هل هو مرئيٌّ أم لا؟ لا يخلو إِمَّا أن تتوقَّف صِحَّة الدين عَلَى معرفة الحقِّ فيها أو لا تتوقف؟ وَالأَوَّل باطل، إذ لو كانت معرفة هَذِهِ الأصول من الدين لكان من الواجب عَلَى النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن يطالبهم بهذه المسائل، ويبحث عن كَيفِيَّة اعتقادهم فيها، فَلَمَّا لم يطالبهم بِهَذِهِ المسائل، بل ما جرى حديث في زمانه عليه السلام، ولا في زمان الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، علمنا أَنَّهُ لا تتوقف صِحَّة إسلام عَلَى معرفة هَذِهِ الأصول، وإذا كان كَذَلِكَ لم يكن الخطأ في هَذِهِ المسائل قادحا في حقيقة الإِسلاَمِ، وَذَلِكَ يقتضي الامتناع عن تكفير أهل القبلة». ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل، تحقيق: محَمَّد سَيِّد الجليند، 74. نقلا عن: جيدل: مدخل، ص52.