علم الفرق الإسلامية (مقدمات منهجية) مصطفى بن محمد شريفي

علم الفرق الإسلامية لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٢٤

الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ} (سورة النحل: 125)، والحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، كُلُّهَا أمور تقتضي تخلية المدعوِّين وتحليتهم:

- تخليتهم من أفكارهم المسبقة وثقافاتهم المناهضة للإسلام، ويستلزم الأمرُ الاطِّلاَعَ الواسع عليها، ودراستها والتمكُّن فيها؛ حَتَّى يتسنَّى الردُّ بحجج أقوى.

- تحليتهم بالإيمان وسائر تعاليم الدين، بِالحُجَّةِ والبرهان، عقليًّا ونقليًّا، في جميع شؤون الحياة: الدِّينِيَّة والسِّيَاسِيَّة وَالاِجتِمَاعِيَّة …

وفي كلتا المرحلتين يقتحم الفكر الإِسلاَمِيُّ ميادين معرفية جديدة، ويواجه أفكارا وشبهات وتحديات لم تكن مطروحة على السلف، وعندها تتنوع الأساليب حسب تنوع البيئات، وتتعدد وجهات النظر، حسب سنة الله في خلقه.

6 - تَطَوُّر الحضارة الإِسلاَمِيَّة من حيث انتشار العلم والمعرفة وحلقات التدريس، وتدوين العلوم والبحث فيها، لا سيما في الفترة العَبَّاسِيَّة، الأمر الذي يستدعي الخوض في دقائق المسائل، وعدم الاكتفاء بظواهرها، وَهَذَا قد مَسَّ شَتَّى الفنون، ومنها بطبيعة الحال: علم العقائد والأديان، والمقارنة بين الأفكار المختلفة؛ فَإِنَّ الغوص فيها يولِّد الاختلاف حتما، «إذ الخلاف يأتي نتيجة التعمُّق في الشَّيْء، بحيث يتجاوز الباحث ظواهره البدهية، إلى بواطنه الظَّنِّيَّة، فَإِذَا انتهى الباحثون إلى تلك البواطن لم يؤمن عَلَيْهِم من الاختلاف؛ نظرا لظنِّيَّة أكثر الأَدِلَّة، وهو الأمر الذي لا يُضمن معه الوصول إلى الاِتِّفَاق»(1).

من الأسباب الذَّاتيَّة:

1 - اتِّبَاع الهوى: يرجع ذَلِكَ إلى عدم تمكن التقوى في القلب، بمفهومها الأخلاقي والعلمي، وتجلى ذلك في مظهرين:

أ- الانتصار للذات، وللمذهب وللآباء، ولو بعد أن يتَبَيَّنَ الحقُّ.

ب- مسايرة السلطات الحاكمة المتباينة، وتبرير تصرُّفاتها المناقضة لتعاليم الدين الحنيف(2).

2 - الخلافات السِّيَاسِيَّة: وتَمَثَّلَت في: أ- الخلاف حول السلطة (الحاكم، شروطه، جوره، عزله … ). ب- التصرفات السِّيَاسِيَّة والأخلاقية والاستبدادية من قِبل السلطة الحاكمة. ج- اختلاق الصراعات وتأجيجها(3).

3 - انسحاب المثقف عن توجيه الحياة؛ نظرا لِمَا فُرض عَلَيْهِ ـ على مَرِّ التاريخ ـ من قهر السلطة

(1) البوطي: المذاهب التوحيديَّة والفلسفات المعاصرة، ص45.

(2) يرى عبد الجواد ياسين أَنَّ النظرية السنية استطاعت أن تتلوى مع التاريخ لتقر بالشرعية لشَتَّى أنواع السلطات مهما تباينت، سواء أكانت بالشورى، أم بولاية العهد والتوريث أم بالتغلُّب والسطو عَلَى المنصب. وَذَلِكَ بتأويل النصوص وتوليدها … ينظر: عبد الجواد ياسين: السلطة في الإِسلاَمِ، في أغلب الكِتَاب، لا سيما من ص201 إلى آخر الكِتَاب. وحوار نواف القديمي مع عبد الجواد ياسين في جريدة الشرق الأوسط، الأحد 04 ذو القعدة 1424هـ / 28 ديسمبر 2003م، العدد 9161.

(3) سنعود إلى تفصيل ما يَتَعلَّقُ بالسياسة في العنصر الموالي.

٢٥ / ٣٨