علم الفرق الإسلامية (مقدمات منهجية) مصطفى بن محمد شريفي

علم الفرق الإسلامية لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٢٥

السِّيَاسِيَّة، وقهر سلطة السلف، ودعوى غلق باب الاجتهاد(1).

دور السياسة في نشوء الفرق الإسلاميَّة وصراعاتها:

كان للسياسة دور هام جدًّا ـ بل رئيس في أغلب الأحيان(2) ـ في افتراق الأُمَّة الإسلاَمِيَّة طرائق قددا، وتفصيل ذَلِكَ في الآتي:

أ- الخلاف حول السلطة:

اختلفت الأُمَّة في شأن الحاكم وشروطه، والموقف الواجب اتِّخَاذه في حال جوره، وهل يجوز عزله والخروج عليه؟ … وتفصيل ذَلِكَ في الآتي:

- أَوَّل اختلاف وقع بعد وفاة الرَّسُول J ( وهو لَمَّا يدفن بعد) كان حول مسألة خلافته (بين المهاجرين والأنصار)، وهو اختلاف سياسي. وقد اعترض عَلَيْهِ عليٌّ كرم الله وجهه وَبَعض آل البيت أَوَّل الأمر.

- الفتن المتوالية منذ السنين السِّتِّ الثانية من خلافة عثمان (ت: 35هـ)، كانت في أصلها سِيَاسِيَّة، ثُمَّ تفاقمت إلى وقعة صفين، والتي كانت القاسمة القاصمة لوحدة الأُمَّة الإِسلاَمِيَّة، ولا تزال آثارها بارزة إلى اليوم. وحينها ظهرت الفرق الكبرى للمسلمين، وهي:

* المحكِّمة، أو الحروريَّة، وهم الذين يُسَمِّيهم الْمُؤَرِّخُونَ وكتَّاب المقالات بالخوارج. أقرُّوا بِصِحَّةِ إمامة الخلفاء الأربعة، غير أَنَّهُم اعترضوا عَلَى عثمان في سنواته الست الأخيرة، وناصروا عليا إلى يوم قبوله التحكيم، الذي رفضوه. وناهضوا الاستبداد الأمويَّ، وتوريث الحكم، ونادوا بالشورى، وعدم التقيُّد بالقرشية. وافترقت المحكِّمة إلى غلاة، وهم الخوارج (الأزارقة والنجدات والصفرية)، ومعتدلين، وسمُّوا بالقَعَدة، لقعودهم عن استعراض الناس وقتلهم، وهم أسلاف الإِبَاضِيَّة(3).

* الشيعة: مشتقَّة من شايع، بمعنى: ناصَرَ، والمناصرة تحمل معنى سياسيًّا. فالشيعة هم الذين ناصروا الإمام عليًّا، منذ خلافة أبي بكر الصديق، إذ لم يرضوا بها ولا بخلافة عمر ولا عثمان. وبرزوا في عهد

(1) ينظر: عبد الجواد ياسين: السلطة في الإِسلاَم، العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ.

(2) يرى الدكتور البوطي أَنَّ العامل السياسي لا علاقة له بنشأة علم الكلام ولا الفِرَق. وفي تَصَوُّرنا أَنَّ هَذَا إنكار لحقيقة تَارِيخِيَّة لا يمكن تجاوزها وغضُّ الطرف عنها، كما سنوضحه أعلاه. نعم نوافق الدكتور عَلَى أَنَّ الخائضين في السياسة في اجتماع السقيفة (بل إلى الفتنة الكبرى وما بعدها)، كما قال الدكتور: لم يخطر ببالهم «لِلَحظة واحدة أَنَّهُم يمارسون أمرا سياسيًّا، وَإِنَّمَا اجتمعوا ليرفعوا عن كواهلهم عهدة دِينِيَّة يتحمَّلون مسؤوليتها عند الله عَزَّ وَجَلَّ» (البوطي: المذاهب التوحيدية، هامش ص47. وينظر: أحمد أمين: ضحى الإسلام، 3/ 9 - 11). وَلَكِن هَذَا لا يمنعنا اليوم من أن نصف أعمالهم وأفكارهم بِأَنَّهَا سِيَاسِيَّة، إذ العبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني، فالمصطلحات غالبا ما تكون مُتَأَخِّرة زمنيا عن الممارسات، في شَتَّى الفنون، كما نقول: علم القراءات، والتجويد، والنحو، والفقه، والأصول والمقاصد والسياسة …

والعجيب في الأمر أَنَّ الدكتور يتراجع عن هَذَا الرأي بعد صفحتين!!. ص51 فما بعد.

(3) انضم إِلَيْهِم أبو بلال مرداس بن أدية وجابر بن زيد. ينظر: كتاب نشأة الحركة الإِبَاضِيَّة، وَكِتَاب التنظيمات السياسية والإدارية عند الإباضية في مرحلة الكتمان، لعوض خليفات.

٢٦ / ٣٨