علم الفرق الإسلامية لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٢٧الذي يطلق عَلَيْهِ؟ وما أحكامه في الدُّنيا وَالآخِرَة؟ وما موقفنا تجاهه؟ هل هو مؤمن أم كافر أم فاسق؟ وبالتالي ما علاقة العمل بالإيمان، أهو جزء منه؟ أم مكمِّل له؟ .... والأجوبة عن هَذِهِ الأسئلة (وما يتفرع عنها) كانت متباينة، والمواقف مختلفة، نختصرها في الآتي:
1 - الإيمان تصديق وقول وعمل، فالعمل ركن من الإيمان، وهو كُلٌّ لا يتجزأ، وذهاب بعضه ذهاب للكلِّ، وبالتالي فَإِنَّ الْمُوَحِّد المرتكب للكبيرة لا يُسَمَّى مؤمنا، بل هو كافر كفر نعمة، أو كفرا دون كفر، عند الإِبَاضِيَّة، أو فاسق (أي في منزلة بين المنزلتين) عند المعتزلة، أو كافر كفر شرك عند الخوارج (حسب ما نُقل عنهم) ثُمَّ هو يوم القيامة ـ عند هَؤُلاَءِ جميعا ـ في النار خالدا فيها.
2 - الإيمان تصديق وقول وعمل، وَلَكِنَّ من ضيَّع العمل هو في المشيئة، إن شاء الله عذَّبه وإن شاء رحمه. «وقد مال إلى هَذَا الرأي بعض أهل السُّنَّة، منهم بعض الأشاعرة وقليل من الماتريدية، وجماعة من أهل الحديث»(1).
3 - الإيمان ـ من حيث هو تصديق ومعرفة ويقين ـ منفصل عن الإقرار والعمل، وهما شرط كمال، فمن ضيَّعهما يبقى مؤمنا. مال إلى هَذَا الرأي جلُّ الماتريدية وجماعة من أهل الحديث(2).
وَكُلُّ مَن تبنَّى أحد هَذِهِ الآراء راح يدافع عنه، ويقوِّي مذهبه، وَيَرُدُّ عَلَى خصومه، ويفنِّد حججهم. وهكذا تكوَّنت الفرق وتبلورت نَظَرِيَّاتها، وتراكمت معارفها عَلَى مرور الأزمان، تأصيلا ونقدا. ونُسيَت أصول تلك المسائل وظروفها التي نشأت فيها، لتَتَّخِذَ منحًى كلاميا محضا، وتبدوَ كأن لا علاقة لها بالسياسة.
ج- اختلاق الصراعات وتأجيجها:
تدخَّلت السياسة في اختلاق صراعات فِكرِيَّة ومذهبية لم تكن موجودة، وسعت أحيانا إلى تأجيج نارها بمناصرة طرف ضِدَّ آخر، فمن ذلك:
- فرْضُ الأمويين لقَضِيَّة الجبر، لبسط سلطتهم المستبدة عَلَى الشعوب، وبعثها عَلَى الاستكانة والخنوع، وقد عملت عَلَى تقنين الظلم بتوليد (وضع) نصوص منسوبة إلى النبيِّ J تدعو إلى الاستسلام والخضوع للحاكم المتغلب، بدعوى خوف الفتنة(3).
- فرض العباسيِّين لقَضِيَّة خلق القرآن عَلَى الناس بالسيف، ومحنة الإمام أحمد في ذَلِكَ معروفة.
- قال محيي الدين عبد الحميد: «في عام 408هـ/1017م أصدر الخليفة [!] القادر كِتَابا ضِدَّ المعتزلة، يأمرهم بترك الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والمقالات المخالفة للإسلام [!]. وأنذرهم ـ إن هم خالفوا أمره ـ بحلول النكال والعقوبة. وانتهج السلطان محمود في غَزْنَةَ نهج أمير المؤمنين [!] القادر، واستن بسنته في قتل المخالفين ونفيهم وحبسهم، وأمر بلعنهم عَلَى المنابر. وصدر في بغداد كِتَاب
(1) جيدل: مدخل، ص142.
(2) المرجع نفسه.
(3) ينظر: عبد الجواد ياسين: السلطة في الإِسلاَم، ص233 إلى آخر الكِتَاب، ص348.