علم الفرق الإسلامية لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٣٠عددها إلى الآلاف منذ عهد الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم. وَهَذَا ما أشار إِلَيْهِ الطرطوشي حين قال: « … غير أَنَّ الزمان باق، والتكليف قائم، والخطرات متوقَّعة. وهل قرنٌ يخلو إِلاَّ وتحدث فيه البدع؟ … »(1)، وأضاف أَنَّ عدد الفرق الهالكة قد تجاوز الثنتين والسبعين، وأيده الشاطبي بقوله: إذا كان كُلُّ من ابتدع بدعة، مهما دقَّت أو جَلَّت، واتَّبَعَه فيها أناس، «فلا تقف [الفرق] في مائة ولا مائتين، فضلا عن وقوعها في اثنتين وسبعين، وَأَنَّ البدع ـ كما قال [الطرطوشي]ـ لا تزال تحدث مع مرور الأزمنة إلى قيام الساعة … وَهَذَا موجود في الواقع، فَإِنَّ البدع قد نشأت إلى الآن ولا تزال تكثر. وإنْ فَرَضْنا إزالة بدع الزائغين في العقائد كُلِّهَا لكان الذي يبقى أكثر من اثنتين وسبعين»(2).
وعليه فالعدد المذكور في الحديث ـ إن صَحَّ ـ فهو حسب تقديرنا للكثرة التي تفوق عدد فرق النصارى واليهود، ولا يَدُلُّ عَلَى عدد محدَّد لا يتجاوزه.
كما أَنَّ الهالكة والناجية منها أمر ظَنِّيٌّ، فالرسول صلَّى الله عليه وسلَّم لم يعيِّنها، قال الشاطبي: «فأنت ترى أَنَّ الحديث الذي تعرضنا لشرحه لم يعيِّن(3) ـ في الرواية الصحيحة ـ واحدة منها … وَإِنَّمَا نبَّه عَلَيْهَا في الجملة لنحذر مظانها، وعيَّن في الحديث المحتاج إِلَيْهِ منها، وهي الفرقة الناجية ليتحراها الْمُكَلَّف»(4).
وبناء عَلَى عدم التعيين، ندرك أَنَّ الحُكم بالنجاة أو الهلاك ليس من شؤوننا، وَإِنَّمَا هو أمر خاص بالله تَعَالىَ، كما قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ اِنَّمَآ أَمْرُهُمُ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ (سورة الأنعام: 159)(5). وعلينا نَحْنُ المسلمين جميعا أن نتنافس في سبل الخير، والعمل الصالح، وترك كُلِّ ما يزيدنا افتراقا وخصاما وتنابزا بالألقاب، قَالَ تَعَالىَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (سورة الأنفال: 1) … للفوز برضوان الله تَعَالىَ. والله أعلم، وبه التوفيق.
معايير تصنيف الفرق:
اعتمد البغدادي التكفير مقياسًا لتصنيف الفرق، فإذا افترقت جماعة في بعض الآراء ولم يكفِّر بعضهم بَعْضًا لا يمكن اعتبارها فرقا، وإذا وقع التكفير عُدَّت فرقا أخرى(6). وَلَكِنَّ هَذَا المعيار رغم ضبطه إلى حدٍّ ما، غير أَنَّهُ يصطدم بحالة ما إذا وقع التكفير بين أفراد لا بين جماعات، فهل يعدُّ كُلُّ فرد فرقة؟ فضلا عن أَنَّ التكفير قد يكون بسبب سلوك، لا بسبب موقف عقدي، وقد ذكرنا فيما سبق إشارة الشاطبي إلى
(1) الشاطبي: الاعتصام، 2/ 439.
(2) الشاطبي: الاعتصام، 2/ 440.
(3) واستثنى الشاطبي الخوارج والقدرية، الذين عيَّنهم الحديث، حسب رأيه. وَهَذَا ما لا يتوافق مع ما أثبته البحث العلمي الدقيق. ينظر: السابعي: الخوارج والحقيقة الغائبة.
(4) الشاطبي: الاعتصام، 2/ 453.
(5) اقرأ بَقِيَّة الآيات إلى آخر سورة الأنعام، وَأَوَّل سورة الأنفال إلى الآية 4، فهي مناسبة لِمَا نقوله أعلاه من التنافس في سبل الخير، وأن تكون حياتنا ومماتنا لله رَبِّ العالمين، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله ورسوله، والسعي في تمثُّل صفات المؤمنين حَقًّا … الخ.
(6) البغدادي: الفرق بين الفرق، ص7.