علم الفرق الإسلامية لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٤عِلمِيَّة دراسة الفرق الإِسلاَمِيَّة:
يمكن تسمية دراسة الفرق علما (أي فنًّا) مستقلا، نظرا لتميُّزه بموضوعه ومصادره ومنهجه ومصطلحاته.
- أَمَّا موضوعه فهو: الطوائف الإِسلاَمِيَّة وآراؤها، بمختلف توجهاتها، قديمها وحديثها.
- أَمَّا مصادره فهي ـ في الدرجة الأولى ـ مصادر مقالات الفرقة المدروسة، التي ألفها أصحابها، ثُمَّ المصادر والمراجع الثانوية التي ألَّفها عنها خصومُها. والإشكال المطروح هو أَنَّهُ عَلَى الرغم من كثرة ما في المكتبة الإِسلاَمِيَّة من كتب في علم الكلام والفرق، إِلاَّ أَنَّ المصادر التي ألَّفها أصحاب الفرقة المدروسة في ظروف نشأتها الأولى نادرة، بل أحيانا غائبة بِالكُلِّيَّةِ، كما هو شأن المحكِّمة الأوائل، والخوارج عُمُومًا (الأزارقة والنجدية والصفرية). وسواء أَتَعَلَّقَ الأمر بالفرقة ككلٍّ، أم بزعمائها(1).
- وَأَمَّا منهجه فيقوم على الرجوع إلى مظانِّ آراء الفرقة المدروسة، مِمَّا ألَّفه جهابذة علمائها، ودراسة أصولها الشَّرعِيَّة وَالعَقْلِيَّة، واستكشاف صلتها (أي تلك الأصول) بمواقفها وسلوكها. مع توخي الموضوعية والدقة في كُلِّ ذلك؛ نظرا لِمَا تعرَّضت له مقالات الفرق من تشويه.
- وَأَمَّا مصطلحاته، فأغلبها مِمَّا يشترك فيه مع مصطلحات علم الكلام والفقه، نظرا للارتباط الوثيق بين هَذِهِ العلوم الثلاثة. ولا يَخْتَصُّ علم الفرق إِلاَّ بالقليل من المصطلحات، مثل: المقالات، الفرق، الملل، النِّحَل …
الفروق بين علم الفرق وعلم الكلام والفلسفة الإِسلاَمِيَّة:
عرَّف القنوجي علم مقالات الفرق بِأَنَّهُ: «علم باحث عن ضبط المذاهب الباطلة الْمُتَعَلِّقة بالاعتقادات الإِلهِيَّة»(2). وإذا علمنا أَنَّ علم الكلام «علم يُقتدر معه عَلَى إثبات العقائد الدِّينِيَّة بإيراد الحجج ودفع الشبه»(3)، فَإِنَّ الفرق بين العلمين غير واضح؛ لأَنَّ كليهما ـ في نظره ـ يهتمَّان بالرد عَلَى الآراء والفرق الباطلة، وَلَكِنَّ التحقيق يقتضي إعادة النظر في تعريف القنوجي، فهو غير دقيق؛ من جهتين:
- إحداهما: أَنَّ علم الفرق ليس مقتصرا على دراسة الفرق الباطلة، بل هو أشمل. ثُمَّ إِنَّ الصِّحَّة والبطلان أمران نسبيان؛ إذ لا يمكن إصدار حكم شامل عَلَى مذهب أو فرقة ما بالبطلان أو الصِّحَّة، فقد يصيب في آراء ويخطئ في أخرى.
(1) مثال ذَلِكَ أَنَّ كتب الخليفة عليٍّ بن أبي طالب لم تصلنا إِلاَّ عن طريق غيره، أو انتُحلت عليه فيما بعد. وكذلك يمكن القول في شأن معاوية وعمرو بن العاص وعبد الله بن وهب الراسبي، ونافع بن الأزرق، وبلال بن مرداس، وجابر بن زيد، أي كُلُّ الشَّخصِيَّات التي وُجدت قبل عصر التدوين، الذي بدأ بأوائل القرن الثاني الهجري، أي بعد انقداح شرارات نشأة الفرق بنحو سبعين عاما.
(2) القنوجي صديق بن حسن: أبجد العلوم الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم، تحقيق: عبد الجَبَّار زكار، دار الكتب العِلمِيَّة، بيروت، 1987م، 2/ 515 (ترقيم المكتبة الشاملة).
(3) هَذَا التعريف أورده السالميُّ لعلم التوحيد. ينظر: معارج، 1/ 184. وقد نقله عن عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي (ت: 756هـ): المواقف في علم الكلام، عالم الكتب، بيروت، د. ت.، ص7. والثميني: معالم الدين، ص5. والثميني: النور، ص24.