علم الفرق الإسلامية لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٨وبين الأصيل والدخيل، وبين الأصل والفرع، وبين الدين والرأي، وبين القطع والظن، وبين قضايا الأصول ومسائل الاجتهاد … إذ كثيرا ما يقع الخلط بينها، فتهيمن الرؤية المذهبية على حساب الدين(1).
- فهم الواقع المعيش اليوم، ذلك أَنَّ فكرنا اليوم ليس إِلاَّ امتدادا لفكر أسلافنا، ونحن لا نزال نستعير عقولهم للتفكير، ونستمد نفس قضاياهم الخلافية، ونفس المواقف العدائية أو الودودة، ولم تتطوَّر ذهنياتنا وأفكارنا المسبقة إِلاَّ قليلا. وبالتالي، فإِنَّ من أهم أهداف دراسة الفرق فهم الواقع الراهن، وهو نوع من الاعتبار بقصص السابقين، كما قال الله تَعَالىَ: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الاَلْبَابِ﴾ (سورة يوسف: 111)، وقال: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الأعراف: 176). فإذا كان هَذَا هو الشأن مع الأمم البائدة، فكيف والأمر يَتَعلَّقُ بفرق لا تزال قائمة، إِمَّا كجماعات أو كأفكار؟.
مواصفات وضوابط في دراسة الفرق:
مواصفات الدارس لعلم الفرق:
لتحقيق الأهداف المرجوة ـ المذكورة أعلاه ـ يجب عَلَى الباحث أن يتحلَّى بجملة من المواصفات الأخلاقية والعِلمِيَّة، نذكر منها:
- أن يضع في حسبانه غاية إرضاء الله تَعَالى، لا إرضاء هواه أو تتبع نقائص الآخرين، بغرض التشنيع عليهم والانتصار للذات. ويتفرع عن هَذِهِ الغاية كُلُّ ما يلي من المواصفات:
- الجدية في البحث، والصبر الجميل؛ لأجل الفهم الجيد، وإرساء الأحكام بعد التبيُّن، خشية أن يصيب قوما بجهالة، فيصبح من النادمين، يوم يقف بين يدي الحق المبين، ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمُ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ (سورة النور: 24 - 25).
- الموضوعية والحياد، بالتنزُّه عن الخلفيات المسبقة، بحيث يكون رائده البحث عن الحقيقة، ولو كانت مخالفة لتصوراته النمطية.
- الجرأة في الصدع بِالْحَقِّ، بهدوء واحترام، دون تجريح أو تطاول، أو ادعاء العلم.
- الشجاعة في قبول النقد، والرجوع إلى الحق، دون تعصُّب.
هذه مواصفات عَامَّة في الباحثين في مختلف الدراسات الإِنسَانِيَّة وَالدِّينِيَّة. والمقام يقتضي إضافة تفصيلات تَتَعَلَّقُ بالضوابط الْمَعْرِفِيَّة والأخلاقية عند دراسة الفرق، بصفة خَاصَّة، وهي كالآتي:
(1) ينظر: جيدل: مدخل، ص55. بتصرف وإضافات.