فضل الصحابة والرضا عنهم لإبراهيم بيوض
الجزء ١ · صفحة ١٤ولو شاء الله لقال "أولئك هم المؤمنون" فقط، دون كلمة "حقًّا"، فهل بعد هذه اللحظة التي نزلت فيها هذه الآية يمكن أن يكون إيمان أولئك باطلاً؟ لا نظنُّ أنَّ عاقلاً يتصوّر هذا، فالله حكم عليهم بالإيمان الحقّ، حكماً لا معقِّب له(1) ، وقضاء لا نقيض له.
ثمَّ بيَّن جزاءهم بقوله: ﴿لهم مَّغفرةٌ ورزقٌ كريم﴾، والمغفرة تكون - فيما نفهم، وفيما تدلُّ عليه كلمة "حقًّا" - لِما مضى ولِما يأتي، وتنبَّهوا جيِّداً لهذه النكت.
فهؤلاء المؤمنون حقًّا لهم مغفرة ممَّا ارتكبوه قبلُ وهم مشركون، قبل أن يدخلوا الإسلام، والإسلام يجبُّ(2) ما قبله.
ولهم مغفرة وُعدوا بها لِما يمكن أن يبدر منهم غير الرجوع إلى الكفر والشرك، إذ ربَّما يلمُّ بهم شيءٌ، أو يلمُّون بشيء، كما قال تعالى: ﴿إنَّ الذين اتَّقوا إذا مسَّهم طائفٌ من الشيطانِ تذكَّروا فإذا هم مُبصرونَ﴾(3) ، فالله تعالى أعطاهم هذا الحقّ وهذه المزيةَ، وسيأتينا مزيد من شرح هذه النكتة عندما نعرض قصَّة حاتب بن أبي بلتعة.
(1) - إشارة إلى قوله تعالى: ﴿والله يحكم لا معقّب لحكمه، وهو سريعُ الحساب﴾ سورة الرعد: الآية 41.
(2) - الجبُّ هو القطع، جبَّه يجبُّه جبًّا وجِباباً واجتبَّه، وجبَّ خصاه جبًّا استأصله، ومنه الحديث: «إنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله، والتوبة تجبُّ ما قبلها» أي يقطعان ويمحوان ما كان قبلهما من الكفر والمعاصي والذنوب.
… ... … ابن حنبل: المسند، ج4/ص195، 204، 205.
… ... … ابن منظور: لسان العرب، ج1/ص249.
(3) - سورة الأعراف: الآية 201. أو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿الذينَ يجتنبونَ كبآئر الاثم والفواحش إلاَّ اللممَ إنَّ ربَّك واسع المغفرة﴾ سورة النجم: الآية 32.
… واللمم ما كان منهم في الجاهليَّة من ارتكاب الفواحش والآثام، ولمَّا جاء الإسلام غُفر لهم ذلك. … ... … الطبري: جامع البيان، ج9/ص38.