فضل الصحابة والرضا عنهم لإبراهيم بيوض
الجزء ١ · صفحة ٢٥فللَّه ما أعظم هذه الأوصاف.
[الذين هاجروا وجاهدوا من بعد ما فتنوا…]
ويقول الله تعالى في سورة النحل: ﴿ثمَّ إنَّ ربَّك للذين هاجَروا من بعد ما فُتنوا، ثمَّ جاهدوا وصبروا إنَّ ربَّك من بعدها لغفور رَّحيم﴾(1) ، هذه الآية خاصَّة بالمهاجرين، ﴿ثمَّ إنَّ ربَّك للذين﴾ جعل الله تعالى نفسَه لهم، ويبدو لي أنَّ هذا التعبير أقوى وأعظم من المعيَّة في قوله تعالى: ﴿إنَّ الله مع الذين اتَّقوا والذين هم محسنون﴾(2) ، وإن لم يكن أعظم منه، فهو في درجته؛ وإذا كان الله لهم، فإنَّه يرأف بهم، ويرحمهم، ويحبُّهم، ويعطيهم ما يريدون. فالتعبير باللام غريب في بابه، وانظروا إلى هذه الأوصاف الأربعة، حتَّى نعلم لماذا استحقُّوها:
- هاجروا من بعد ما فُتنوا، ثمَّ جاهدوا و صبروا.
أوَّل البلاء الفتنةُ التي أصابتهم وهم بمكَّة لمَّا دخلوا الإسلام، فمكر بهم المشركون، وعذَّبوهم، كما فعلوا ببلال وعمَّار، وآل ياسر، فمنهم من مات في العذاب، ومنهم من تحمَّله حتَّى نجَّاه الله(3) .
ومعنى قوله فُتنوا، يفيد أنَّ المشركين فعلوا بهم ما في وُسعهم ليحملوهم على ترك الإسلام، فأبوا(4) .
بعد هذه الفتنة التي تحمَّلوها سنوات في مكَّة، هاجروا وتركوا أموالهم وديارهم وأهلَهم في هذا الوطن العزيز المقدَّس: مكَّة. الذي لا أشرف منه في الدنيا(5) .
(1) - سورة النحل: الآية 110.
(2) - سورة النحل: الآية 128.
(3) - منهم من مات في العذاب كياسر وسمية رضي الله عنهما، ومنهم من نجّاه الله كعمَّار بن ياسر وبلال بن رباح رضي الله عنهما.
(4) - مثل بلال - رضي الله عنه - حينما وضعوا على صدره صخرة كبيرة، ولكنَّه ثبت على دينه بكلمة التوحيد، حتَّى نجَّاه الله من غيض المشركين.
… ... … ... ابن هشام: السيرة النبويَّة، ج1/ص318.
(5) - وكان ذلك في زوال يوم الاثنين، لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأوَّل من السنة الثالثة عشر من البعثة. …
... … ... … ابن هشام، ن، م، س، ج1/ص590.
… ... … ... ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، ج1/ص739.