فضل الصحابة والرضا عنهم لإبراهيم بيوض
الجزء ١ · صفحة ٤٨قد يستقلُّ أحدنا عمل هذا الصحابي، فيقول: كيف يدخل الجنَّة على ضحوة من الإيمان؟
ولكن أليس الله تعالى يقول: ﴿إنَّ الله اشترى من المومنين أنفسَهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنَّة﴾(1) . فالله تعالى باع الجنَّة واشتراها هذا بنفسه، فمن بذل نفسه وماله في سبيل الله فقد ربح البيع. فأين أعمالنا نحن بالنسبة لهؤلاء الذين بذلوا أرواحهم في سبيل الله، حتَّى ولو قضى أحدنا أربعين أو خمسين سنة وهو يعبد، فإنها لا توازي غدوة أو روحة في سبيل الله.
ذكرتُ هذا حتَّى لا يستقلَّ أحدٌ عمل هذا الصحابي، الذي أسلم في الصباح ودخل الجنَّة في المساء، فيقول: إنَّه أخذ الجنَّة مجَّاناً.
لا، ليست الجنَّة رخيصة، ولم يأخذها مجَّاناً، وإنَّما بذل فيها روحه، وبذل قبل روحه أهله وماله وأولاده الذين تركهم بعده، فلم تمنعه زوجة جميلة، ولا ولد بارٌّ، ولا دار فخمة، ولا أيَّ شيء آخر من الدخول في هذه المعمعة طلبا للشهادة، فمات واستشهد، كذلك يفعل الله بالذين سبقت لهم كلمته بأنَّهم سعداء(2) من أهل الجنَّة.
وعكس هذا رجل(3) كان يجاهد في صفوف المسلمين، فأخبر عنه النبيء e بعضَ أصحابه بأنَّه من أهل النار، اهتمَّ لهذا الأمر أحد الصحابة، فجعله نصب عينيه، يتتبَّعه ليرى ما سيكون مآله ومصيره، فأصيب في المعركة بجرح كبير، فخرَّ جريحا وأخرج من كنانته سهما قطع به عرقاً في ذراعه، فانتحر بهذه الطريقة لمَّا اشتدَّ عليه الألم.
(1) - سورة التوبة: الآية 111.
(2) - إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منَّا الحسنى إولئك عنها مبعدون﴾ سورة الأنبياء: الآية 101.
(3) - هو قزمان الظفري: نسبة إلى بني ظفر، بطن من الأنصار، وكان يكنّى أبا الغيذاق، وقد ورد فيه حديث طويل عن رسول اللهe . وانظر نص الحديث وشرحه عند … ... ابن حجر: فتح الباري، ج7/ص378-381.
… ... … ... … ... … وابن هشام: السيرة النبويَّة، ج2/ص88.