أدب الرحلة عند القطب أطفيش
الجزء ١ · صفحة ٤٢وصولهم إلى بلدة بريان، في تلك الأثناء كان القُطب ومرافقوه ينعمون بالراحة التامة استعدادًا لمواصلة الرحلة في تلك الليلة، وهم متيقّنون من أنَّ المناوئين لاشك سيلحقون بهم، وفعلاً صار الأمر كذلك ووقع المحذور، حيث وصلت إلى بريان مساء الجمعة جماعة من الخيَّالة تطلب لقاء القُطب وتُلحُّ في الطلب.
استسمحهم وجيه القوم أو قائد البلدة قائلاً بأن القُطب ضيف بريَّان وهو متعبٌ الآن وسيرى في أمرهم في صباح اليوم الموالي، وفي رواية أخرى قال لهم بأن القُطب جالس يُفتي لأهل بريان في مسائل قدَّموها إليه، ولن يستقبل أحدًا من غير سكان بريان حتى يأتوا بجميع ما عندهم من المسائل، وقد جرت العادة أن يسافر القُطب إلى بريان مرتين في السنة من أجل إلقاء الدروس والإفتاء، ومن ثمَّ فإن حظهم من نصيب الشيخ قد حضر ولن يشاركهم فيه أحد من أهالي مزاب، فاقتنع الخيالة بذلك وجلسوا ينتظرون طلوع الشمس.
في تلك الأثناء كان القُطب ومن معه قد جددوا الرحلة إلى الشمال بعد أن حضَّر لهم أعيان البلدة الزاد والدليل الذي يفتح لهم الطريق باتجاه مدينة الأغواط التي وصلوها بعد مسيرة يوم وليلة.
مرَّ يومان على انتظار الخيَّالة القادمين من مزاب لدورِهِم في مقابلة القُطب، حتى جاءهم الخبر بأن القُطب قد جدد الرحلة منذ يومين وهو الآن على مشارف مدينة الجلفة التي تبعد عن بريان بحوالي 270كم إلى الشمال، عندئذ سُقط في أيدي أولئك الخيالة ما دبَّروا وخطَّطوا، ولما علموا بأنه قد أحيط بهم استسلموا عائدين إلى مزاب وهم أذلة خانعين، لأن بُعد المسافة وقلَّة الزاد والرفيق سيُجبرهم حتمًا على العودة من حيث أتوا؛ وبهذا طويت صفحة المعارضين لرحلة القُطب مع زوجه إلى الحجاز، ليُكمل بذلك ركب الحُجَّاج بقية الرحلة بسلام.
لقد تلقى القُطب والركب المرافق له في كل محطة يصلون إليها كرمًا حاتميا، وحفاوة في الاستقبال والتوديع منقطعة النظير، وهو دون شك اعترافٌ صريح بمكانته العلمية ومركزه الديني والاجتماعي المرموق، فحين دخل مدينة الأغواط استقبله أهلها بحفاوة كبيرة، ثم ما لبث أن التفَّت به الجموع للتحية والسلام، واغتنم بعض الحاضرين فرصة وجوده لإلقاء بعض الأسئلة والاستفسارات في حضرته، فأجابهم القُطب مستبشرًا كعادته، مرتاحًا لسؤال الناس عن شؤون دينهم وتحيرهم عليه كحيرتهم على شؤون دُنياهُم.
أما عن اسم الأغواط فيقول القُطب: "تسمى كذلك لأنَّ أرضها بعضه منخفض وبعضها الآخر عالٍ .. "(1).
بعد مسيرة يوم وليلة دخل ركب القُطب مدينة الجلفة العامرة، فحضي وفده باستقبال كبير
(1) - ينظر: القصيدة الحجازية، القُطب أطفيَّش، البيت 24.