أدب الرحلة عند القطب أطفيش
الجزء ١ · صفحة ٤٩لقد مكث القُطب في مكة مجاورًا سنة كاملة، ودرَّس خلالها كتاب: "السنوسية في عقائد المالكية"، ولو أن درس هذا الكتاب وشرحه من طرف القُطب أطفيَّش لم يصل إلينا، كما دَوَّنَ في تلك الرحلة أيضًا معظم ملاحظاته ولقاءاته مع الشخصيات والعلماء، وألَّف فيها إلى جانب ذلك كتابه الشهير في المنطق وهو: "إيضاح المنطق في بلاد المشرق"، وقد زار مصر بعدها وجلس إلى علماء الأزهر فيها وإلى الطلبة المغاربة المتمدرسين هناك من الإباضية والذين كانوا يقيمون بوكالة الجاموس قرب مسجد ابن طولون، كما اقتنى من رحلته تلك ما استطاع من الكتب، وبعث ببعضها إلى سلطان زنجبار ليطبعها ويعيد نشرها .. ، إذ كان الشيخ أطفيَّش مهتمًا أشد ما يكون بنشر العلم في كل البلاد الإسلامية ..
كما أنَّ من أهم ما يمكن التعليق عليه والوقوف عنده من الفوائد العديدة لرحلة القطب هو لقائه بالعلماء الأعلام وتدريسه الناس بالحرم المكي والمدني، والتفاف الطلبة على اختلاف مشاربهم من حوله، من أجل اقتناص الفوائد العلمية المتنوعة، ولم يكن القُطب في منهجه متعصبًا لفكرة ما أو اتجاه مذهبي معين بل كان متفتحًا على الجميع يسمع كل الآراء ويهتم بشؤون المسلمين في كامل البلاد الإسلامية، وأكثر من ذلك فقد انبرى مهاجمًا الاستعمار الفرنسي فاضحًا لكل دسائسه في استعباد الشعوب، ومبصِّرًا في ذلك المسلمين في مختلف الأقطار التي زارها أو راسل علمائها، تماما كما وطد علاقاته مع علماء الجزائر في مجابهة الاستعمار الفرنسي، إذ اجتمع مع مجموعة من علماء الجزائر في منطقة "برّيش" التابعة لمنطقة مسعد بالجلفة، دعا إليه الشيخ عبد الرحمن طاهري في مطلع سنة 1914 بعنوان "ثلاث ليال في الصحراء"، وقد كرّس الملتقى لتوحيد صفوف الجزائريين ودعوتهم لانتفاضة عارمة يقودها المغاربة والجزائريون والليبيون ضد الاستعمار الفرنسي والإيطالي، وأوفد سفيرا هو الشيخ المبروك الأخضري للزعيمين الليبيين الشيخ السنوسي وعمر المختار ودعاهم للتعبئة العامة، لكن المستعمر اعتقله في حدود توقّرت وأعدم بعد ذلك في العاصمة(1)، والشيخ أطفيَّش قضى مسمومًا في مارس من نفس السنة ..
ومن فوائد رحلة القطب الجليلة أيضًا إنهاءه لمرحلة تاريخية عصيبة وتصحيحه لمفهوم خاطئ ساد مزاب وما حولها ردحًا من الزمن، والذي كان يقضي بعدم السماح للمرأة بالسفر إلاَّ لضرورة قُصوى مُلحة كالعلاج مثلاً، أمَّا ما سوى ذلك فلا، وقد كانت حجتهم في ذلك انعدام الأمن في الطريق، ولم يكن الداعي إلى التمسك بمثل هذه الأفكار إلاَّ تشبُّث الناس بعَرَضِ الحياة الدنيا ونقص الوازع الديني واستشراء الجهل ومظاهر التخلف.
(1) - ينظر: تحفة السائل بباقة من تاريخ سيدي نايل، تخريج عامر بن المبروك المحفوظي، ط1، 2002، ص25.