الشيخ أطفيش القطب مفسرا
الجزء ١ · صفحة ٢٢٠استنادا إلى حديث "المسلمون تتكافؤ دماؤهم"(1). ويستدل عليهم بحديث آخر يبيّن الاستثناء، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا يُقتل حرٌّ بعبد»(2)، إلا أنه رحمه الله لا يهتم بذكر درجة صحة هذا الحديث أو ذاك. فكأن طلب المعنى عنده، قد طغى على منهجه إلى الحديث جعله يهمل ما سواه من القضايا الشكلية التي تعدّ هامة هي الأخرى.
هذا بخلاف تفسيره لقوله تعالى من سورة البقرة: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ (البقرة؛36)، فإنّه ينقل حديثا بتخريجه، على عكس المثال الأول، يقول: « .. وأخرج الحاكم في المستدرك(3) عنه - صلى الله عليه وسلم - من طريق ابن عباس أنّه قال: ياربّ، ألم تخلقني بيدك؟ .. »(4).
وهكذا فالشيخ اطفيَّش لا يُهمل توثيق الحديث دائما، بل يعتني وبشدة أحيانا بهذه المسألة، إذ نراه يخرّج الأحاديث ويذكر درجة صحتها، أو ينسبها إلى مصادرها التي وردت فيها، وهذا جانب أصيل في منهجه التفسيري. ومن بين هذه المصادر التي يعتمد عليها، نذكر: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، ومسند الإمام أحمد، والدر المنثور للسيوطي .. وغيرها(5).
ومع هذا فإنّنا نلاحظ أنّه رحمه الله قد يورد هذه الأحاديث في بعض الأحيان مجردة من السند، وربّما يكتفي بالتعليق عليها سواء بالتصحيح أو التضعيف بالإسناد إلى مصدر من المصادر المذكورة.
ومن ميزات منهجه في مجال الاستعانة بالحديث النبوي الشريف أنّه يورد أحيانا أحاديث على ضعفها ويذكر ذلك، ونجد هذا مثلا عند تفسيره قول الله تعالى من سورة النساء: ﴿وَإِنْ تَكُنْ حَسَنَةٌ يُضَاعِفْهَا﴾ (النساء؛40)، حيث يقول: « .. وروى أبو داوود(6) عنه - صلى الله عليه وسلم - "من دخل السوق وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة". وفي سنده ضعف»(7).
وإذا أشار في هذه الفقرة بصراحة إلى ضعف الحديث، فإنّه أحيانا لا يكون متيقِّنا من صحة الحديث أو ضعفه. ولكنّه مع ذلك يورده لاحتمال صحته فيكون قد فسّر بالأثر دون الرأي. إلاّ أنّه يعلّق عليه بقوله مثلا: "لا أعرف أنه صحيح، أو الله أعلم بصحته .. " مع ذكر مصدره الذي استفاد منه. ومثال ذلك تفسيره قوله تعالى من سورة يوسف: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الاَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف؛55)(8).
(1) _ أخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب الديات، باب 31، حديث رقم 2683، ج2، ص895.
(2) _ أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الديات، باب 7، حديث رقم 4517، ج4، ص 654
(3) _ ينظر: المستدرك للحاكم، ج2، ص545.
(4) _ اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج1، ص 48.
(5) _ ينظر على سبيل المثال: اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج3، ص 800. ج6، ص640/ 644.
(6) _ أخرجه أبوداود، ك. الأدب، باب 10، (من يقول إذا أصبح) ح رقم 5077، ج5، ص317، (بلفظ غيره).
(7) _ اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج1، ص 731/ 733.
(8) _ ينظر: تيسير التفسير، ج2، ص 356.