الشيخ أطفيش القطب مفسرا
الجزء ١ · صفحة ٢١٩ذكر المصطلحات المتعلقة بذلك. ولهذا كان من الضروري على قارئ تفسيره أن يُلمّ بعلوم القرآن، إذا أراد أن يدرك نوع تلك العلاقات التي كان يقيمها الشيخ بين مختلف ألفاظ القرآن الكريم. ولعل رغبة هذا المفسر في الإيجاز من جهة، واستهدافه المعنى بأبسط الطرق والأساليب من جهة أخرى -وهما سمة هذا التفسير- يكونان سببا في ذلك.
- المصدر النبوي في تفسير الشيخ اطفيَّش
وتأتي السنة لتفسّر آيات القرآن الكريم عندما لا يوجد تفسير لها من القرآن. لقوله تعالى في محكم تنزيله مخاطبا رسوله - صلى الله عليه وسلم -: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل؛44). ولهذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ القُرآنَ وَمِثلَه معَهُ»(1)، يعني بذلك السنة، إلاّ أنّ الآثار التي رويت عن رسول الله. - صلى الله عليه وسلم - في التفسير تعدّ قليلة جدا، ولكن إذا رأينا إلى سائر أحاديثه فإنّنا نجدها كثيرة جدا. حتى أن بعضهم اختص في هذا الجانب من التفسير، ولم يكلّف نفسه التفسير بالرأي أو العقل(2). إلاّ أن العلماء يحذرون من زيف بعض المرويات لوقوع الوضع والكذب على الرسول. - صلى الله عليه وسلم -(3).
وسنحاول هنا أن نبيّن مكانة السنة في تفسير الشيخ اطفيَّش وقيمة ما يرويه من أحاديث، وربما اقتصرنا على مثال أو مثالين، كمثل تفسيره لقول الباري - عز وجل - من سورة الكهف: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ (الكهف؛90). حيث يقول: «قال رسول الله. - صلى الله عليه وسلم -: سترا بناءً، لم يُبنَ فيها بناء قط، كانوا إذا طلعت الشمس دخلوا سربالهم حتى نزول الشمس. رواه الحسن عن سمرة بن جندب. وعنه عن سمرة بن جندب عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن أرضهم لا تحمل البناء. فإذا طلعت الشمس تَغوَّروا في المياه، وإذا غابت خرجوا يتراعون كما تراعى البهائم .. »(4). وهذه الرواية نجدها عند ابن كثير، الذي عُرف بتحري كثير من صحيح النقل(5).
وكما ينقل رحمه الله تفسير الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإنه يحتج بأحاديث وإن لم تكن تفسيرا مباشرا للقرآن الكريم، ويكثر ذلك عند تفسير آيات الأحكام خاصة، والتي ترد في غالبها مجملة، فالسنة هي التي تبيّنها، وأفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم - في العبادات والمعاملات وتقريراته وأقواله كلها مفسّرة لما جاء في القرآن الكريم مجملا.
والشيخ اطفيَّش بوصفه فقيها، نراه يحتج كثيرا بالحديث الشريف عند تعرضه للمسائل الفقهية. ومن أمثلة ذلك تفسيره لقوله تعالى من سورة البقرة: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالاُنثَى بِالاُنثَى﴾ (البقرة؛177).(6)، حيث يردّ على الحنفية قولهم بجواز تساوي العبد بالحر في القصاص
(1) _ السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج4، ص 174.
(2) _ لقد ألّف جلال الدين السيوطي كتابا ضخما في هذا النوع من التفسير، بعنوان "الدر المنثور في التفسير بالمأثور"، جمع فيه بضعة عشر ألف حديث. ينظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج4، ص 214 وما بعدها. – الذهبي، التفسير والمفسرون، ج1، ص 243 وما بعدها.
(3) _ السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج4، ص 212. – وينظر: الذهبي، التفسير والمفسرون، ج1، ص 49 وما بعدها.
(4) _ اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج3، ص 103/ 104.
(5) _ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار المنار، القاهرة، د. ت. ج3، ص104.
(6) _ اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج1، ص 228.