الشيخ أطفيش القطب مفسرا
الجزء ١ · صفحة ٢٢٤يمكن أن تؤكدها أكثر من مرة هي تلك الروح النقدية الفاحصة، إذ يميل كثيرا إلى تحقيق الآثار و المقارنة بينها قبل اعتمادها.
لأنّه إذا جاء تفسير عن الصحابي الواحد دون إجماع من غيره عليه، فإنّه يناقشه ولا يرتضيه لمجرد كونه تفسير صحابي. وخاصة إذا وجد ما هو أقوى منه، ذلك ما نلاحظه عند تفسيره لقوله تعالى من سورة الإنسان: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً () عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً﴾ (الإنسان؛17 - 18)(1). والذي نلاحظه في هذه الفقرة هو أنّه يقدم أحيانا قول التابعين أمثال قتادة ومقاتل بن سليمان، إذا كان تفسيرهم مما أجمع عليه المسلمون، ويرد ما أُثر عن الصحابي ولو كان لمثل عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، وذلك لعدم اشتهاره لدى غيره عن طريق هذا وكان الشيخ اطفَيَّشْ رحمه الله يعتمد رواية التفسير عن الصحابة والتابعين إلى حدّ كبير، حتى تسربت إليه الإسرائيليات(2)، فغمرت تفسيره تماما، مثلما وقع بالنسبة لكثير من المفسرين عبر العصور. والذي يلاحظه القارئ هو أنّه رحمه الله بالرغم من اعتماده على النقد –وهي ميزة في تفسيره لآيات الأحكام وآيات الاعتقاد- فإنّه لم يكن يتحرج من إيراد تلك الإسرائليات الخرافية التي ربما ينقدها أحيانا أو يناقشها. الإجماع، لأنّ الإجماع يعد شرطا لحجية تفسير الصحابة والتابعين.
ومن هنا يتضح لنا أن أحاديث أهل الكتاب تعدّ مصدرا لا يستهان به في عملية التفسير، ولكن اعتمادها يكون من أجل الاستشهاد لا الاعتقاد(3)، تبعا لأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعدم تصديقهم ولا تكذيبهم. ولهذا نجد العلماء(4) يقسّمون هذه الأخبار إلى عدة أقسام: منها ما هو واجب قبول روايته، وهو الصنف الثاني الذي تتأكد صحته بموافقته الكتاب والسنة، ومنها ما يجب رفضه وتركه، وذلك إذا تبيّن بطلانه، وصنف ثالث لم تثبت صحته ولا تأكد بطلانه، فلا هو يتفق مع روح الكتاب والسنة، ولا هو معارض لهما، فهذا الصنف سيان فيه أن يُروَى أو يُترك، وهو داخل في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فلا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم» وقوله كذلك: «حدّثوا عنهم ولا حرج». وقد يضيف بعضهم(5) شرطا آخر وهو أن لا تكون هذه المرويات متعارضة مع العلم الحديث، لأنه قد اتضح في هذا العصر بطلان كثير من الإسرائيليات لذات السبب، والتي عَجّت بها كثير من كتب التفسير القديمة على وجه الخصوص.
ولكي يتضح لنا موقفه هذه المرويات بالنسبة لـ " تيسير التفسير" الذي اعتبرناه منذ البداية عمدة هذه الدراسة. يجدر بنا أن نتتبع بعض تفسيراته لآيات القصص التي اتصلت بهذا المصدر التفسيري.
(1) _ ينظر: تيسير التفسير، ج7، ص 444.
(2) _ الإسرائيليات في عرف العلماء تعني ما داخل التفسير من ثقافات أهل الكتاب من اليهود والنصارى. وإنما سمّيت بالإسرائيليات تغليبا للجانب الأكبر والأعم من الثقافتين. ينظر: الذهبي، التفسير والمفسرون، ج1، ص 166. – دائرة المعارف الإسلامية، مادة تفسير، طبعة دار الشعب، مجلد9، ص414.
(3) _ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج1، ص 5.
(4) _ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج1، ص 5. – ابن تيمية، مقدمة في أصول التفسير، ص 42.
(5) _ أحمد بن حمد الخليلي، جواهر التفسير، ص 32.