الشيخ أطفيش القطب مفسرا يحيى بوتردين

الشيخ أطفيش القطب مفسرا

الجزء ١ · صفحة ٢٢٥

ففي تعرضه لقصة هاروت وماروت، التي في قوله تعالى من سورة البقرة: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ (البقرة؛101). نجده رحمه الله يورد أخبارا عن الملكين، ويسندها إلى مصادر تفسيرية على سبيل التوثيق حتى يتنصّل أمام القارئ من أية مسؤولية في الموضوع، كما يعلّق على هذه الأخبار بالصحة أو عدمها بما يراه دليلا، وهذا بخلاف ما فعله في كتاب " هميان الزاد "(1). وتبعا لهذه المنهج، نجد الشيخ أحيانا يرفض بعض الخرافات التي لا تستقيم علميا كما فعل عند تفسيره لقوله تعالى من سورة المائدة: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ (المائدة؛56)(2).

وكخلاصة عن هذا المصدر التفسيري، نقول إنّ الإسرائيليات في " تيسير التفسير" تظهر للقارئ بكل وضوح على أنّها أخبار غير متيقّن من صحتها، وذلك بفضل منهج الشيخ اطفَيَّشْ في نقدها أو التعليق عليها، ولو بعبارة موجزة تفيد الشك في صحتها، مما يجعلنا نؤكد القول بأن الشيخ اطفَيَّشْ مفسر ناقد وواعٍ بمهمته العلمية، وخاصة في تيسير التفسير.

3 - نماذج من اعتماده اللغة في التفسير

لقد كان طبيعيا أن ينطبع تفسير الشيخ اطفيَّشْ بشيء من لوازم ثقافته، فكانت اللغة وعلومها المختلفة من نحو وصرف وبلاغة، ظاهرةً في منهجه التفسيري. والمتتبع لتفسيره يجد مباحث لغوية عديدة حاول الشيخ أن يسبر من خلالها أغوار الألفاظ والتعابير القرآنية، مستعينا بآراء كبار علماء اللغة المشهورين، أمثال أبي عبيدة، والفراء، والزجاج، وغيرهم(3). وكان يهتم كثيرا بالجانب الإعرابي في القرآن الكريم، انطلاقا من كون الإعراب أداة مساعدة على استجلاء المعنى وتوضيحه(4). ولما كان رحمه الله، يقرر درس التفسير على طلابه كمادة علمية، فإنّه كان حريصا على هذا الجانب، وربما اهتم بتبسيط أسلوبه في "تيسير التفسير" ليكون في متناول كل قارئ من جهة، ولكن دون أن يفقد الكتاب طابعه التعليمي من جهة أخرى(5).

- الجانب الإعرابي

إنّ أول ما تقع عليه عين القارئ وهو يطالع صفحات تيسير التفسير هو الجانب الإعرابي، أو بعبارة أخرى، الجانب النحوي، ومع ذلك فالشيخ محمد بن يوسف اطفيَّشْ لم يكن يسلك في هذا الكتاب نفس الطريقة التي كان يسلكها في كتابيه السابقين، بالنسبة لهذا الجانب. فهو لا يسترسل مطوّلاً وراء التفريعات النحوية إلا نادرًا، بل قد جعل همّه الأساسي هو استجلاء المعاني وتوضيحها عن طريق فك الرموز النحوية للجملة القرآنية، وبيان الموقع الإعرابي

(1) _ ينظر: هميان الزاد، ج2، ص203 وما بعدها. تيسير التفسير، ج1، ص 125/ 126. بخلاف.

(2) _ ينظر: تيسير التفسير، ج، ص 56/ 57.

(3) _ ينظر على سبيل المثال لا الحصر: اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج1، ص 128/ 188/710. – ج2، ص838. – ج3، ص902/ 905 .. وغيرها.

(4) _ ينظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج2، ص 260. – سميح عاطف الزين، الإعراب في القرآن الكريم، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1985، ص7 وما بعدها.

(5) _ القارئ في "تيسير التفسير" يجد أدلة واضحة على أنه تفسير موجّه أساسا للتعليم، وليس لعامة الناس، من بين ذلك، بعض العبارات التي يستعملها الشيخ اطفيَّشْ وهي توحي بأنه قالها من أجل غاية التعليم. فهو بعد أن يقرر قاعدة لغوية، أو تفسيرا معيّنا، فإنه يوقف الكلام بعبارة (ولا أعيده)، وكأنه يحث طلابه على الاهتمام.

ينظر: اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج1، ص 128.

١٦ / ٢٥