الشيخ أطفيش القطب مفسرا يحيى بوتردين

الشيخ أطفيش القطب مفسرا

الجزء ١ · صفحة ٢٢٧

فلو أخذنا تفسيره لقوله تعالى من سورة البقرة: ﴿فَاتُوا بِسُورَةٍ مِن مِّثْلِهِ﴾ (البقرة؛23). وجدناه يورد احتمالين في إعراب الضمير "هاء" من كلمة "مثله"، إذ الإعراب هنا وجه من وجوه التفسير، وهذا يدلنا على اهتمامه بالنسق المعنويى للآية القرآنية(1). فالضمير "هاء" في "مثله" كما هو واضح هو مفتاح المعنى في هذه الآية، إما أن يعود إلى القرآن، أو إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وذلك كما في الآية التي تسبق هذه والتي يقول فيها - عز وجل -: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ (البقرة؛22).

وإذا كان الشيخ اطفيَّشْ يهدف بإيراد مختلف الوجوه الإعرابية المحتملة، إعطاء القارئ أكثر قدر ممكن من الأدلة على ما تُفسَّر به الآية، فإنه يفعل ذلك أيضا من أجل غاية تعليمية إلى حدّ أننا نجده أحيانا يتقمص شخصية معلم اللغة العربية لا المفسر. من ذلك مثلا، تفسيره للآية الكريمة من سورة النساء، وهي قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ (النساء 26)(2).

- الجانب الصرفي

ويمتد اهتمام الشيخ اطفيَّشْ بالناحية اللغوية إلى مسائل تتعلق بعلم الصرف أحيانا. ومن أمثلة ذلك تفسيره لقوله تعالى من سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنَ اَشْيَاءَ اِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾(3). حيث يقف بنا مطوّلا عند لفظ أشياء ويفصّل بناءه الصرفي تفصيلا تعليميا، ربّما كانت الآية في غير حاجة إليه(4). وقد يصرف القارئ العادي عن فحوى الآية الكريمة وهدايتها، ولهذا كان من العلماء من رفض أن يتعلّق المفسرون بمثل هذه التطبيقات اللغوية في كتب التفسير(5).

ومن أمثلة ذلك أيضا تفسيره لقوله تعالى من سورة البقرة: ﴿فَمَنُ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (البقرة؛172). إذ يتوقف عند كلمة اضطر ليفصّل القول في المعنى الذي اكتسبته الكلمة وهي على هذه الصيغة(6).

ولعل من المفيد هنا أن نذكر أنّ الشيخ اطفيَّشْ حين يورد تلك المعارف اللغوية، فإنّه لا يوردها عبثا، بل ربما كان يهدف إلى إقناع القارئ بكثرة الأدلة والتفريعات العلمية. إلا أنّه لا يخفى تأثره بوظيفته كمعلم، مما جعله يستطرد في إجراء التطبيقات اللغوية بدون حدود أحيانا. وذلك حين وجد أن النص القرآني يعد مجالا خصبا لذلك. وربّما كانت هذه التطبيقات اللغوية مفيدة للقارئ الجزائري في فترة ما من فترات –عصر الاستعمار خاصة- لأنها تساعده على إرساء وترسيخ قواعد اللغة العربية في ذهنه.

(1) _ ينظر: تيسير التفسير، ج1، ص 26/ 27.

(2) _ ينظر: تيسير التفسير، ج1، ص 715.

(3) - سورة المائدة، آية 101.

(4) - اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج2، ص 174/ 175.

(5) - لقد اعتبر الإمام محمد عبده هذا الجانب من حلّ الألفاظ وإعراب الجمل، مما يجعل التفسير جافا مبعدا عن المقصود. ينظر: أمين الخولي، التفسير، نشأته تدرجه وتطوره، ص70.

(6) - ينظر: تيسير التفسير، ج1، ص 218.

١٨ / ٢٥