الشيخ أطفيش القطب مفسرا
الجزء ١ · صفحة ٢١٧الآيات التي يُثار حولها خلاف فكري، فيبيّن رأي مذهبه في تفسيرها، كما يحاول أن يستعرض آراء المذاهب المختلفة ويقارن بينها وبين رأي مذهبه، فيردّ على بعضهم ممن يرى قصورا أو ضعفا في دليلهم، ثم يبيّن الدليل الذي يعتقده أقوى وأصح، وهكذا ..
ويلاحظ القارئ في"تيسير التفسير" أن موقفه من المفسرين الذين يأخذون بمجرد الرأي والهوى، يتسم بالشدة والعنف أحيانا، وذلك مثلما يفعل مع الخوارج(1). أما عند تناوله الآيات التي تحمل القصص القرآني، فهو يتأرجح بين موقفين مختلفين: أحيانا يظهر بصورة الناقل الأمين الذي يبدو من فرط أمانته في النقل وكأنه حاطب ليل لا يترك شاردة ولا واردة نطق بها أهل الأخبار إلاّ وساقها، وإن كانت مخالفة للعقل، وأحيانا يظهر في صورة الناقد المتمرّس الدقيق، إذ لا يثق في بعض الأخبار والآثار الواردة إليه في ذلك. وخاصة إذا شاهد فيها تعارضا صارخا مع العلم والعقل. ولذلك نراه يشك في صحتها وربما يناقشها، وإن لم يجد فإنّه يذيِّل تلك القصة أو تلك الآثار بعد أن يورد تفاصيلها بقوله: "والله أعلم بصحتها"، أو نحو ذلك.
هذه بعض الخطوط العريضة لطريقة الشيخ اطفيَّش في التفسير عامة ومن خلاله كتابه "تيسير التفسير" خاصة، وإذا أردنا أن نفصّل القول في ذلك فإننا نحاول تتبع مصادره التفسيرية التي اعتمد عليها، وذلك بحسب ما هو متعارف عليه بين أهل الاختصاص.
فقد يطالع البعض تفاسير الشيخ اطفيَّش الثلاثة، ويظهر له من أول نظرة أنه يحكّم العقل فيسلكه ضمن قائمة المفسرين الذين يأخذون باتجاه العقل في التفسير(2). وقد يذهب البعض الآخر إلى غير ذلك، فيصنفونه ضمن الاتجاه التوفيقي الذي يأخذ بالنقل والعقل معا(3). إلاّ أنّ الرأي النهائي في هذا الشأن لا يتأتّى إلا بالنظر الفاحص المتعمق في هذا التفسير الأخير " تيسير التفسير"، باعتباره زبدة التآليف التي تركها في هذا الفن، ولعلّنا نحاول من خلال قراءة متأنية لهذا التفسير أن نركّز على المصادر التي استعان بها في تفسيره لتتضح لنا الرؤية بجلاء، وهو ما ستكشف عنه الفقرات الآتية من البحث.
نماذج من اعتماده النقل في التفسير
يعد النقل أو الرواية من المصادر الأساسية في تفسير القرآن الكريم، ويدخل في هذا المجال تفسير القرآن بالقرآن وتفسير الرسول - صلى الله عليه وسلم - المنقول عنه بالتواتر، وتفسير الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم(4). والشيخ اطفيَّش القطب، وإن كان مولعا باللغة وبالتفسير اللغوي، فإنّه لا يُهمل النقل فيما ورد من التفسير المأثور، فقد فسّر القرآن بالقرآن، كما فسّره بالسنة، وقد استعان أيضا بآراء الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين وكبار أعلام المفسرين بعدهم ناقلا عنهم بعض آرائهم بحيث يلتزمها أحيانا، ويناقشها أو يختار غيرها أحيانا أخرى. وهذا ما ستكشف عنه
(1) _ ينظر موقفه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ سورة المائدة، آية 44. يراجع: اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج2، ص 93.
(2) _ الذهبي، التفسير والمفسرون، ج2، ص 306 وما بعدها.
(3) _ شريفي بلحاج عدون، التفسير ومناهجه عند علماء الإباضية، ص 12. – طلاي إبراهيم، نظرة في تفاسير القطب، ص6.
(4) _ ابن تيمية، مقدمة في أصول التفسير، ص 39. – السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج4، ص 174.