الشيخ اطفيش – القطب - ودوره في التواصل الحضاري بين الجزائر وعمان
الجزء ١ · صفحة ٦١عنه الشماخي في سيره أنه لما اشتهر عدل ابن رستم واتصلت أخباره بذلك وتواترت أخباره بالمشرق والمغرب بعث له أهل المشرق بثلاثة أحمال فلما بلغت الرسل إلى تيهرت ألفوا الإمام فوق دار يطينُها فنزل إليهم وغسل الطين واستقبلهم وأكرمهم قبل أن يعرفهم، فلما ثبت لديهم حسن سيرته وعلموا أنه على مسلك الخلفاء الراشدين والأئمة الصالحين وافوه بما جاؤوا به مما يقوِّي به أمر الدولة، فقبله منهم بعد استشارة ذوي الرأي والفقه فأشاروا عليه أن يفرقه في ذوي الحاجات ففعل وذلك بمحضر الرسل، فلما رجعوا إلى المشرق أخبروا علماءهم بما رأوا وشاهدوا من عدله فأرسلوا إليه بما يقرب من عشرة أحمال أو يزيد فما كان من ابن رستم إلا أن قال: «أرجعوا بمالكم فإن أربابه أحوج إليه منّا لأنا في أرض قد استولى عليها العدل وهم في بلد غلب عليهم الجور يدارون به على أنفسهم ومالهم ودينهم»(1).
زاد هذا الموقف أهل المشرق إكبارا للإمام عبد الرحمن بن رستم، فتعجبوا من زهده في الدنيا ورغبته في الآخرة، واعترف كل إباضي بإمامته، ووصلوه بكتبهم ووصاياهم(2).
ويكفي نص الشماخي في تبيان الصلة الراسخة بين المشرق والمغرب، ولا شك أن صدى إمامة عبد الرحمن بن رستم قد دوَّى في عُمان، فكان له الأثر الطيب في تقوية الصلات بتبادل الرحلات والزيارات، وتوارد الرسائل بين المغرب وعمان والبصرة، لتفقد الأحوال، وتقديم العون والدعم والفتوى.
إنَّ ما قدمه المشارقة العمانيون لإباضية المغرب من دعم مادي ومعنوي شجَّع أهل المغرب على تمتين الروابط بإخوانهم في المشرق، وحفَّزهم على بذل مزيد من الجهد لإيجاد الوسائل الكفيلة بتدعيم تلك الصلة، كما كان المشارقة يفكرون التفكير نفسه. ولم تنقطع هذه الصلة على مرور الزمن بل تعمقت أكثر وأكثر بواسطة اللقاءات والزيارات والرحلات العلمية وتبادل الكتب والرسائل والأخبار …(3)
الباب الثاني: التواصل بين الجزائر وعمان قبيل عصرالقطب
أ) تواصل مشايخ القطب مع أهل عُمان:
قدَّمنا أن من أهم وسائل اللقاء والتواصل بين إباضية المغرب والمشرق الرحلات والزيارات، وكان موسم الحج من المناسبات التي اتخذها الإباضية وسيلة من وسائل اللقاء، وسببا مهما لانتشار المذهب الإباضي عن طريق إلقاء الدروس والمواعظ، وتبادل الأخبار والمؤلفات، وشهود حلقات العلم والمناظرة. وقد كان المغاربة أشد حرصا على اللقاء في هذه المناسبة، يؤكد ذلك مقرين بن محمد البغطوري النفوسي (حيٌّ في: 599هـ / 1203م) في كتابه سير مشايخ نفوسة بأن أهل المشرق يزورون أهل المغرب، ويزورهم أهل المغرب،
(1) - م ن، ج1، ص: 142، وينظر: الدرجيني «طبقات»، ج1، ص: 47.
(2) - الجعبيري: «العلاقة بين إباضية المغرب وإباضية البصرة وعُمان»، ص: 83.
(3) - لمزيد من التفاصيل حول وسائل التواصل الثقافي بين عمان والجزائر ينظر ناصر بوحجام: «التواصل الثقافي بين عُمان والجزائر»، ص: 32 - 64.