الشيخ اطفيش – القطب - ودوره في التواصل الحضاري بين الجزائر وعمان
الجزء ١ · صفحة ٦٢وكانوا إذا رجع حجاج المغرب من البقاع المقدسة لا يفترقون حتى يتفقوا في مكان يسمى "تمصروة" على موعد المسير إلى الحج في الموسم القادم. وبعد سقوط تاهرت أصبح حجاج إفريقيا وطرابلس وجربة يجتمعون في موضع يسمى "أَمَّاسن" للاتفاق على موعد المسير للحج في الموسم القادم، يقول البغطوري: ولقد بلغنا أنهم يجتمعون في نحو ألف رجل، أو أقل أو أكثر، لا يكون الكلام بينهم في المجلس إلا بالترجمان»(1). ممَّا سبق ندرك أن حرص المغاربة على أداء مناسك الحج مرات عديدة رغم بعد المسافة بين المغرب والحجاز، إنما كان نابعا من الشعور الديني القوي بالتقرب إلى الله بالنوافل من جهة، ومن الرغبة في الاستزادة من العلم ولقاء العلماء والأئمة وتبادل الأخبار والفتاوى والتفقه في الدين من جهة ثانية، فكان موسم الحج أحسن فرصة لتحقيق هذه الغاية. ولقد شكلت الزيارت المتبادلة والرحلات بين المشرق والمغرب وسيلة أخرى مهمة من وسائل توطيد العلاقات بين الشعبين، وأمثلة هذه الزيارات والرحلات يتعذر حصرها، إذ نجد فيها رحلات طلب العلم أو تدريسه، وزيارات تفقد الأحوال، واستطلاع الأخبار، وكتب السير والطبقات تفيدنا بكثير من الأخبار عن هذه الرحلات والزيارات.
ومن مشايخ الجزائر الذين ارتحلوا إلى عمان قبيل ظهور القطب، ونهلوا من العلوم فيها، وكانت رحلتهم إلى هذه البلاد سببا في انتقال كثير من المصنفات والكتب العمانية إلى مكتبات وادي ميزاب، واطلاع طلاب العلم على فكر المشرقيين وفقههم نجد عددا لا بأس به يمكن أن نذكر منهم اثنين كان لهما أثرا واضحا في تكوين القطب اطفيش شخصية هذا البحث، وفي مسار التواصل بين الجزائر وعمان بشكل عام:
1 - محمد بن عيسى ابن عبد الله، "اَزْبَارْ" وصلته بأهل عُمان
من علماء بني يسجن بميزاب، توفي في العقد الأول من القرن الرابع عشر الهجري (كان حيَّا في: 1301هـ / 1883م)(2) تتلمذ على يد علماء عصره بمسقط رأسه ومنهم الشيخ عبد العزيز الثميني، ثمَّ هاجر إلى المشرق للاستزادة من علوم النقل والعقل وربط أواصر التواصل مع أهل عمان، رفقة الشيخ إبراهيم بن يوسف اطفيش الشقيق الأكبر لقطب الأيمة.
استقرَّ بعمان مدَّة طويلة ينهل من معين فقهائها وكبار علمائها، ثمَّ عاد إلى وطنه، فعيِّن شيخا على مسجد بني يسجن، ثمَّ تولَّى منصب مشيخة وادي ميزاب.
كانت رحلته إلى عمان خيرا عميما على ميزاب فقد جلب معه من عمان نفائس الكتب، وأنفق في سبيلها أموالا طائلة؛ وتعد خزانته اليوم من أهم خزائن الكتب في ميزاب،
(1) - البغطوري، مقرين بن محمد: «سيرة مشايخ نفوسة»، تح/ توفيق عياد الشقروني. نشر مؤسسة تاوالت الثقافية. 2009. (نسخة رقمية مصورة من الكتاب) ص:31.
(2) - جمعية التراث: «معجم أعلام الإباضية». (مدخل إلى التاريخ والفكر الإباضي من خلال تراجم لأكثر من ألف علم من أعلام المغرب الإسلامي، منذ القرن الأول الهجري إلى العصر الحاضر). نشر جمعية التراث. القرارة، غرداية، الجزائر. 1420هـ/ 1999م. مج4. رقم الترجمة: 847. ذكر الدكتور باباعمي محمد بأنه توفي سنة 1296هـ / 1872م، ينظر باباعمي، محمد: «المخطوطات العمانية في مكتبات وادي ميزاب، قراءة في الشكل والمحتوى» (مارس 2001/ نسخة مرقونة بحوزتنا)، ص:09. وذكر غيره بأنه توفي يوم 15 شوال 1307هـ / 04 جوان 1890م، ولم يتسنى لنا التأكد من تاريخ الوفاة من مصدر دقيق.