الشيخ اطفيش – القطب - ودوره في التواصل الحضاري بين الجزائر وعمان محمد بن أحمد جهلان

الشيخ اطفيش – القطب - ودوره في التواصل الحضاري بين الجزائر وعمان

الجزء ١ · صفحة ٦٩

«أَخَذْتُ هَذِهِ الْجَامِعَةَ مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِنَا مِنْ أَهْلِ عُمَانَ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَنَافِعِ وَلِشِدَّةِ حُبِّي لأَهْلِ عُمَانَ وَأَهْلِ زِنْجِبَارَ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُمْ أَصْحَابُ الْعُلُومِ حَدِيثًا وَقَدِيمًا وَلِتَمَسُّكِهِمْ بِالْمَذْهَبِ، وَشِدَّةِ بُغْضِهِمْ لِلْمُخَالِفِينَ، وَلِنَفْعِهِمْ إيَّايَ بِإِرْسَالِ الْكُتُبِ أَكْثَرَ مِنْ وَقْرِ الْبَعِيرِ، وَلإِهْدَائِهِمْ إلَيَّ أَشْيَاءَ جَلِيلَةً، وَلاتِّبَاعِهِمْ إيَّايَ فِي أَقْوَالِي وَتَرْجِيحَاتِي، وَمَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ لا يَشْكُرُ اللَّهَ، فَبِبَرَكَةِ اسْمِكَ الأَعْظَمِ يَا رَبِّ زِدْهُمْ عِلْمًا وَمَالا وَجَاهًا وَاجْمَعْنَا مَعًا فِي الْخَيْرِ»(1).

هذا إقرار من القطب بتعلقه بأهل عمان في موسوعته الفقهية «شرح كتاب النيل»، هذا السفر العظيم الذي كان وما يزال من أعظم كتب الإباضية مغربا ومشرقا وهو المعتمد والأساس في المغرب اليوم، لأنه استوعب ما كتبه من تقدمه من فقهاء المغرب وزاد عليه، ومع ذلك فإننا نجد الحضور المشرقي العماني فيه واضحا، و «لا بدَّ أن تكون الموسوعات المشرقية المتوفرة في مكتبته، وفي مكتبة الحاج عيسى ازبار، قد ألقت بثقلها عليه، وأغرته باختصارها، أو وضع الحواشي عليها … لكنه، كان واضح المنهج، وباختصار: يريد الاستقلال بمؤلف أصيل وجديد. إلاَّ أنَّ هذه الموسوعات لا ولن تغيب من مؤلفه هذا، بل إنها من المواد التي استوعبها، ووعى ما فيها، فاتخذها مصادر أساسية لكتابه، وهذا ما يفسِّر استشهاده بها في كثير من الأحوال»(2).

كما نسجل حضورًا قويا لآراء العُمانيين في مؤلفات القطب الفقهية بشكل عام، إذ اعطى هذا الحضور صبغة واضحة ميَّزت منهجه المقارن في التأليف، وإن المتتبِّع لتوظيف القطب لآراء المشارقة في شرح النيل وحده يسجل: ذكر اسم ابن بركة(3) صاحب كتاب «الجامع» أكثر من ستين مرة، وذكر أبي المنذر العوتبي(4) صاحب كتاب «الضياء» أكثر من 20 مرة، كما استفاد القطب من «بيان الشرع» لأبي عبد الله محمد بن إبراهيم الكندي، ومختصره «منهاج الطالبين» لخميس بن سعيد الشقصي، و «قاموس الشريعة» لجميل بن خميس السعدي، وغيرها مما وصلت إليه يد القطب من الموسوعات المشرقية المطولة أو المختصرة.

وبالمقابل فقد وجد العمانيون في مؤلفات القطب معينا علميا لا ينظب، إذ استطاع القطب بفكره الموسوعي أن يجمع فقه المغاربة المتقدمين، وكفى بذلك المشارقة مؤونة التنقيب وراء مؤلفات المغاربة، بل كان في شرح النيل كما رأينا يجمع بين اجتهادات المغاربة وأقوال المشارقة، ما حدى بالشيخ محمد بن شامس البطَّاشي العُماني (ت: 1420هـ) نظم كتاب القطب شرح النيل في عدة مجلدات ضمت 124 ألف بيت، وسَمَّاه: «سلاسل الذهب في الأصول والفروع والأدب».وجاء فيه:

وَبَعدُ فاعلَم أنَّ سِفْرَ النّْيلِ وَشَرْحَهُ لِقُطبِنَا الجَلِيلِ

(1) - اطفيش، محمد بن يوسف، القطب: «شرح النيل وشفاء العليل» (باب زكاة الفطر). ج6، ص: 456. (قرص: المكتبة الإباضية الشاملة). نشر جمعية التراث. الإصدار الثاني. 2010.

(2) - باباعمي، محمد: «الحضور المشرقي في فقه المغاربة، قراءة في المنهج (شرح النيل نموذجا)» بحث مقدم لملتقى التأليف الموسوعي والفقه المقارن في عُمان (يومي 25 - 27 محرّم 1426هـ/ 6 - 8 مارس 2005م). ص:04. (قرص: ندوات تطور العلوم الفقهية في عُمان. نشر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية. سلطنة عُمان). (د. ت. ن).

(3) - أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة السليمي البهلوي، الشهير بابن بركة، من كبار علماء القرن الرابع الهجري في عُمان. ينظر: «معجم أعلام الإباضية» (قسم المشرق). رقم الترجمة: 833.

(4) - سلمة بن مسلم العوتبي أبو منذر، عاش في عُمان بين القرن الخامس والسادس الهجري. اشتهر بموسوعته الفقهية «الضياء» في أربعة وعشرين جزءا. ينظر: «معجم أعلام الإباضية» (قسم المشرق). رقم الترجمة: 569.

١٨ / ٣٠