الشيخ اطفيش – القطب - ودوره في التواصل الحضاري بين الجزائر وعمان
الجزء ١ · صفحة ٥٨الدولة الرستمية الثاني عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (ت: 208هـ) (حكم: 171 - 208هـ/ 787 - 823م) عاصر الربيع بن حبيب إمام الإباضيَّة بالبصرة بعد أبي عبيدة وجابر بن زيد. ولما كان شغوفا بالعلم تواقا للتفقه في الدين أرسل إلى إباضية البصرة ألف دينار ليشتروا له بها كتبا، فابتاعو له ورقا ونسخوا له وقر أربعين بعيرًا كتبا، فلمَّا وصلته قرأها كلها(1). هذا دليل واضح على تأثر الفكر المغربي بتآليف المشارقة، بل إن الإمام عبد الوهاب كان في كثير من الأمور يستشير علماء المشرق، ومنها استفتاء الإمام الربيع بن حبيب في شأن أدائه لفريضة الحج إذ اعترض عليه علماؤه المغاربة بسبب الفتن وانعدام الأمن في الطريق، فأجابه الربيع بن حبيب قائلا: «من كان مثلك في العناء بأمور المسلمين وحمل أمانتهم، وخاف على نفسه من المسودة، أن يبعث بحجَّة وهو حي» فلما قدمت عليه رسله أخذ بقول الربيع فأرسل رجلا من أهل "تمزدا" يحجُّ عنه(2).
كان علماء المغرب وأئمتهم المتعاقبون يلحُّون على الطلبة وعامة الناس في دراسة كتب إخوانهم العمانيين والمشارقة، فهم يرونها جديرة بأن تكونهم وتعلمهم، وأن تقوي ارتباطهم بمذهبهم، ومن صور هذا الإلحاح نجد دعوة الإمام أفلح بن عبد الوهاب ثالث الأئمة الرستميين (ت 258هـ) (حكَم بين: 208 - 258هـ / 823 - 871م) إلى دراسة كتب المشارقة، فقال: «عليكم بدراسة كتب أهل الدعوة ولا سيما كتاب أبي سفيان»(3). ولقد خصص الإمام سيرة أبي سفيان محبوب بن الرحيل لرغبته الملحة في اطلاع المغاربة على المنابع الأولى والأصول الصحيحة للمذهب، فهو من الرعيل الأول الذي أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وعن الربيع بن حبيب الفراهيدي العماني. من هنا يبدو فضل علماء عمان على أهل المغرب وأئمتهم جليا واضحا، واستفادتهم من علمهم وسيرهم ما تقوى به أواصر المحبة والانتماء على بعد الديار واختلاف الأزمان.
ويمكن أن نضيف صورة ثالثة من صور تعلق المغاربة بالمدد العلمي والفكري المشرقي، وحرصهم على التكون على أيديهم وعلى كتبهم، ما أورده صاحب الطبقات عن أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي (ت: 504هـ) أنه قال: «كنت أقرأ على الشيخ سعدون فجازت مسألة ذبيحة الأقلف قال في أكلها قولان فلم ينسبها، فدخلت إلى الديوان، وكان بجبل نفوسة ديوان اشتمل على تآليف كثيرة، فلازمت الدرس أربعة أشهر لا أنام إلا فيما بين أذان الصبح إلى صلاة الفجر، فتأملت ما فيه من تآليف أهل المشرق فإذا هي تقرب من ثلاثة وثلاثين ألف جزء كلها لأهل المذهب فتخيَّرتُ أكثرها فائدة فقرأته»(4).
(1) - ينظر: الدرجيني، أحمد بن سعيد أبو العباس: «طبقات المشايخ بالمغرب»، تح/ إبراهيم طلاي، دار البعث قسنطينة، ط1، ج1، ص: 56، 57. وينظر: يحيى بن أبي بكر أبو زكريا: «السيرة وأخبار الأئمة» تح/ عبد الرحمن أيوب، الدار التونسية للنشر، تونس 1986. ص: 89، 128. وينظر: معمر، علي يحيى: «الإباضية في موكب التاريخ» (الحلقة الرابعة: الإباضية في الجزائر). صححه أحمد أوبكة، المطبعة العربية، غرداية، 1986م. القسم الأول، ص: 65 - 68.
(2) - الشماخي، أحمد بن سعيد بدر الدين أبو العباس: «كتاب السير»، نشر وزارة التراث القومي والثقافة. سلطنة عمان. ط2. 1407هـ/ 1987م. ج1، ص: 158
(3) - الدرجيني: «طبقات المشايخ بالمغرب»، ج2، ص: 82
(4) - الشماخي: «كتاب السير»، ج2، ص: 445