الشيخ اطفيش – القطب - ودوره في التواصل الحضاري بين الجزائر وعمان محمد بن أحمد جهلان

الشيخ اطفيش – القطب - ودوره في التواصل الحضاري بين الجزائر وعمان

الجزء ١ · صفحة ٥٩

هذه الرواية تدل دلالة واضحة على اعتماد لإباضية المغرب على تآليف المشارقة في تكوينهم وترسيخ مذهبهم، وهذا يؤكد فضل عمان على أهل المغرب بوجود هذا العدد الهائل من المؤلفات في المنطقة، فعدد ثلاثة وثلاثين ألف جزء عدد عظيم جدًّا تتقاصر عنه كبرى المكتبات الحديثة! بينما سعى المغاربة لجمع هذه المؤلفات المشرقية إقرارًا بفضل أصحابها وتمكنهم في شتى العلوم.

ج) إمامة عُمان ودعمها للدولة الرستمية:

استعرضنا صورا من أشكال تأثير إباضية المشرق ورعايتهم لإخوانهم المغاربة، ويمكن أن نعتبر قيام الدولة الرستمية في تاهرت (تيارت بالجزائر حاليا) كان سببا وعاملا قويا لتوطيد هذه العلاقة، فقد رأينا كيف كان الإمام الثاني للدولة عبد الوهاب يستشير علماء المشرق في شؤون الحكم والدين، وكيف حث الإمام الثالث أفلح بن عبد الوهاب على مطالعة كتب المشارقة وفقههم وسير أعلامهم وكان قدوة لرعيته في الوفاء والولاء لأئمة المشرق وعلمائهم .. وإذا عدنا إلى سيرة الإمام الأول للدولة الرستمية ومؤسسها عبد الرحمن بن رستم، الذي كان من بين حملة العلم من المشرق إلى المغرب، فإننا نجد تأسيسه لهذه الدولة إنما هو من ثمار رعاية المشارقة إذ مكَّنه شيخه الإمام أبو عبيدة مسلم بأن يفتي بما سمع منه وبما لم يسمع(1)، فأجاز له ما لم يجزه لأقرانه الآخرين من حملة العلم لمزيد ذكائه وسعة علمه.

وما إن استقامت إمامة عبد الرحمن بن رستم في المغرب حتى تلقت الدعم الكامل والتأييد المادي والمعنوي من إباضية عُمان والمشرق، فرغب أهل عمان في إمامته واعتبروها فرضا عليهم، حتى قال بعضهم: «لا أعلم من يُخرج مسائل دماء أهل القبلة في زماننا هذا غير عبد الرحمن ابن رستم بالمغرب»(2) يعني لا تقدم على سفك الدماء إلا بفتيا ابن رستم في بلاد المغرب لغزارة علمه وورعه وتحفظه.

وتوالى دعم المشارقة للدولة الرستمية ربطا للصلة وتوثيقا لعرى التواصل بين المشرق والمغرب، ونال عبد الرحمن بن رستم عندهم حظوة خاصة لما أظهره من كفاءة في إمامة المسلمين، ولما وجدوا في إمامته من عوض لما فاتهم من سقوط إمامة الجلندى بن مسعود سنة 134هـ، فكانوا يعقدون آمالا عريضة على الدولة الرستمية بالمغرب في النهوض بالمذهب وانتشاره، أو على الأقل ضمان بقائه.

ومن طريف الأخبار التي تؤكد صلة أهل عمان بالدولة الرستمية واعترافهم بإمامته على

(1) - م ن، ج1، ص: 145

(2) - م ن، ج1، ص: 161

٨ / ٣٠