طريقة التعليم عند القطب من منظور النموذج التعليمي الخلدوني
الجزء ١ · صفحة ١٨٢علم التربية والأخلاق … ، ويروي الشيخ محمد علي دبوز أنّ القطب كان يكتفي في شرحه لدروس المواد المذكورة بالإيجاز المفيد، ولم يكن يتوسع فيها كثيرًا كي يسهل للطلبة
استيعابها وفهمها، لذلك فقد كان يحدد بدقة المصادر المعتمدة، ولم يزد عنها سوى كتاب "قناطر الخيرات" للجيطالي وهو تأليف في المجال الأدبي والأخلاقي (دبوز محمد علي، 1965، ص 373).
• عدم التوسع في دراسة العلوم الآلية: يصنف ابن خلدون العلوم إلى: علوم حكمية فلسفية، وعلوم نقلية وضعية. وفي تصنيف آخر يميز بين: علوم مقصودة بالذات، وعلوم آلية. الأولى مقصودة في ذاتها كالشرعيات والفقه وعلم الكلام، والثانية ليست سوى أداة لدراسة الأولى والولوج فيها مثل اللغة العربية فهي ضرورة وطريق لبلوغ العلوم الشرعية، لكنها ليست مقصودة لذاتها كلغة بل كطريقة إلى علم آخر مقصود لذاته.
في ذات السياق، يرى ابن خلدون أن العلوم الآلية لا ينبغي التوسع فيها وفي تدريسها «لأن المتعلمين اهتمامهم بالعلوم المقصودة أكثر من اهتمامهم بوسائلها»، ثم يتساءل مستنكرًا «فإذا قضوا [المتعلمون] العمر في تحصيل الوسائل فمتى يظفرون بالمقاصد؟» (ابن خلدون عبد الرحمان، 2004، ص685). فالسبب وراء هذا الموقف هو ضخامة الكتلة المعرفية لهذا الصنف من العلوم، رغم كونها طريقًا إلى العلوم المقصودة بذاتها. فابن خلدون ينظر إلى التعليم نظرة برغماتية نفعية تصبو إلى تحقيق الملكة في أقصر وقت وبأقل العلوم الضرورية دون الإبحار في عمق العلوم الآلية.
يبدو أنّ طريقة التعليم عند القطب لا تتوافق مع هذا المبدأ الخلدوني، إذ لم يكن القطب يولي اهتمامًا خاصًا لمادة على حساب المواد الدراسية الأخرى، فقد جعل من حفظ متون المواد المختلفة شرطًا أساسيًا للانتماء إلى المعهد (أعوشت بكير، 1989، ص79)، بمعنى أنه لم يفصل بين العلوم المُدرّسة في معهده لأنه اعتقد وجوب تحصيلها جميعًا كي يصل المتعلم إلى مرحلة الحيازة، بل يشير المؤرخ أبو القاسم سعد الله إلى أنّ القطب كان يحب الأدب الأندلسي ويُولي له اهتمامًا خاصًا (أبو القاسم سعد الله، 1998، 3/ 272)، وفن الأدب من العلوم الآلية حسب التصنيف الخلدوني.
• مراعاة مقدرة المتعلم ومساعدته على الفهم: بما أنَّ القدرات الاستيعابية للمتعلمين تختلف، فإنَّ ابن خلدون يرى أنَّ على المعلم أن يراعي قوة عقل المتعلم واستعداده لقبول ما يورده عليه (ابن خلدون عبد الرحمان، 2004، ص684). وهذا ما يُطلق عليه حديثًا بمراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين، لأن ابن خلدون يدرك بأن الأفراد يختلفون في درجة الذكاء والاستيعاب.