طريقة التعليم عند القطب من منظور النموذج التعليمي الخلدوني
الجزء ١ · صفحة ١٨٥• اعتماد مبدأ التدرج: إنَّ قبول العلم والاستعداد لفهمه ينشأ تدريجيًا، فالمتعلم يعجز بادئ الأمر من فهو المسائل المركبة والمعقّدة، فالأمر يتطلب التدرج التصاعدي بما يناسب المتعلم والموضوع معًا، فيقول ابن خلدون: «اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدًا إذا كان على التدرج شيئًا فشيئًا، وقليلاً قليلاً، يُلقى عليه أولاً مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب، ويقربه شرحها على سبيل الإجمال» (ابن خلدون عبد الرحمان، 2004، ص737).
ويمكننا القول أن القطب قد راع هذا المبدأ في جانب التدرج التصاعدي، أي من السهل والبسيط إلى الصعب والمعقد في الحصة التعليمية الواحدة، فبالرغم من اختلاف الدروس بين المستويات بالمعهد، إلاَّ أنَّ حضورها كان إجباريًا على جميع الطلبة، فيبدأ بدروس المبتدئين ثم الثانويين وأخيرًا دروس طلبة المستوى العالي، وكان لطريقته هذه هدف ومغزى، حيث يساير طلبة الثانوي والمستوى العالي دروس المبتدئين وفي نفس الوقت يُعتبر ذلك مراجعةً واستذكارًا لما نُسي، ولن يشعروا بالملل، بينما تجعل دروس المستوى الثانوي والعالي الطلبة المبتدئين يألفونها ويتعودون عليها وتُثير فيهم الحماس واللهفة والشوق لبلوغها، ثم تزول غرابتها وغموضها عندما يصلون إليها، ولو بدأ القطب بدروس المستوى العالي لشعر المبتدئون بالملل والخمول واستصعبوا فهم دروسهم.
بينما اعتمد القطب التدرج العكسي، أي من الصعب المعقد إلى السهل البسيط في توزيع المواد المُدرّسة على أيام الأسبوع، مراعيًا بذلك نشاط الطلبة، إذ خصص أيام السبت إلى الثلاثاء لتدريس علم الكلام والفقه وأصوله والنّحو والبلاغة، بينما كانت دروس يوم الأربعاء "خفيفة" كدرس الأخلاق مثلاً، آخذًا بعين الاعتبار فتور وقلة نشاط الطلبة في نهاية الأسبوع (دبوز محمد علي، 1976، ص235).
• التكرار لأجل الترسيخ: يرى ابن خلدون أنّ تكرار المسائل السابقة قبل التطرق إلى المسائل اللاحقة يرمي إلى تمكين المتعلم من تحصيل الملكة، وتؤهله إلى فهم وتحصيل المسائل الأخرى من ذلك العلم أو الفن، وهكذا تباعًا، وبعد انتهاء الإلقاء الأولي (الإجمالي)، تأتي المرحلة الثانية بحيث يرجع المعلم بالمتعلم إلى تلك المسائل التي سبقت دراستها فيرفع مستوى التعليم إلى أعلى ويستوفي الشرح والبيان ويخرج عن الإجمالي ويذكر ما هنالك من خلاف ووجهة إلى أن ينتهي إلى آخر الفن، وبهذا تنتهي المرحلة الثانية، وتبدأ المرحلة الثالثة، بالرجوع بالمتعلم إلى جميع المسائل التي تمت دراستها سابقًا، وبذلك يعمل المعلم على أن «لا يترك عويصًا ولا مبهمًا ولا مغلقًا إلا