طريقة التعليم عند القطب من منظور النموذج التعليمي الخلدوني
الجزء ١ · صفحة ١٨٦وضّحه وفتح له مقفله، فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته» (ابن خلدون عبد الرحمان، 2004، ص684).
يوافق القطب ابن خلدون في هذا المبدأ، فكان يغتنم فرصة حضور طلبة جميع المستويات للربط بين مختلف دروس العلم الواحد، وقد كان مستعدًا لإعادة شرح الدرس بأكمله عدة مرات دون تذمّر أو ملل كما يذكر طلبته (دبوز محمد علي، 1965، ص373)، لأن هدفه الأسمى هو استيعاب طلبته لعناصر الدرس استيعابًا كاملاً، وبذلك يقدم لنا القطب نموذجًا عن المعلم المثالي.
• الابتعاد عن الشدّة والقهر على المتعلمين: ينتقد ابن خلدون "العقاب البدني" المُسلط على المتعلمين ولاسيما الأطفال الصغار منهم، كما يكشف عن النتائج السلبية للشدة والتعسف والقهر في التعليم.
فالشدة تؤدي إلى انضمار نشاط وانبساط المتعلمين، وتقوده إلى الركون والكسل.
ويواصل ابن خلدون تحليل التوابع السلبية للشدّة والقهر على المتعلمين، فيكشف أنّ الخوف من القهر يدفع المتعلم حتمًا إلى الكذب والتظاهر بغير ما في عقله، فيقود هذا السلوك إلى تعلم المكر والخديعة اللذين يستنبطهما المتعلم فيصيران من عوائده وأخلاقه، لهذا فهو يقول: «و من كان مرباه بالعسف و القهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر و ضيق عن النفس في انبساطها و ذهب بنشاطها و دعاه إلى الكسل و حمل على الكذب و الخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه و علمه المكر و الخديعة» (ابن خلدون عبد الرحمان، 2004، ص692).
وإذا بلغ المتعلم هذا المستوى «فسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن والمدافعة عن نفسه ومنزله وصار عيالاً على غيره في ذلك، بل وكسلت النفس عن اكتساب الخلق الجميل، فانقبضت على غاياتها ومدى إنسانيتها وعاد في أسفل السافلين» (ابن خلدون عبد الرحمان، 2004، ص692).
والمحصلة هي أن الشدّة والتسلط على المتعلمين مضرٌ به، إذ يقود إلى انطماس المعاني الإنسانية وبروز المعاني الحيوانية.
لقد كان القطب مدركًا لتوابع وسلبيات ممارسة الشدّة والقهر على الطلبة، فلم يتسلط يومًا على طلبته، ولم يمارس الضرب عليهم بمختلف أنواعه وألوانه (أعوشت بكير، 1989، ص80)، بالرغم من شيوع تلك الأساليب في عصره، بل كان رحيمًا بهم، فإذا أحس بتعبهم روّح عنهم بما يدفعهم إلى النشاط والتركيز، «وكان يطرز درسه غالبًا بشيء من النوادر والغرائب العتيقة طردًا لطحالب العياء ولجيوش النوم والكسل عن أبدانهم