فلسفة الأخلاق عند الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش خضير بن بكير بابا واعمر

فلسفة الأخلاق عند الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش

الجزء ١ · صفحة ٤٨٨

(ت505ه)، وغيرهم، وكان الشيخ يوظف مقالاتهم، ويستعمل لغتهم، ومصطلحاتهم، ويورد تعاريفهم لدعم أحكامه الأخلاقية، حتى ليخال للقارئ من أول وهلة أنه هو أحد أتباعهم. بيد أن الحقيقة غير ذلك، فبعد قراءة متفحصة لأهم آثاره نصادف نصا يصرح فيه الشيخ اطفيش عن موقفه من الصوفية والتصوف بلغة واضحة، يقول فيه:" ولا بدّ من علم الظاهر وإلّا زلّ أهلُ الباطن، ومِن علمه [أي علم الباطن] وإلّا زلّ أهلُ الظاهر، وقد كنتُ ممارساً لعلم التصوف، ولا يخفى عليّ مقاصدُهم والحمد لله تعالى، وأُجيب عما أشكل، وكَرِهْتُه لأنه يُوهم تفسير القرآن بما هو خطأ، وكذا تفسير الحديث، والحقّ علم الظاهر مع مراعاة العمل … ومع ذلك أذكر أقوالا لأهل التصوف في تفسير الأسماء الحسنى إيناسا للطلبة ولنفسي، وفي ذلك وجهان:

الأول- قصدهم ما في نفس الأمر عمدا ولم يقصد نفس التفسير.

والثاني- دعوى أن المراد بها في حق الله تعالى هو ما يذكرونه وأنه المراد، لا معانيها الظاهرة في اللغة المؤولة بما يناسب، وهذا لا يحسن إذ لا يعرفه أهل اللغة العربية، والله تعالى أنزل القرآن بها، ولا يرضى بما يخالفها.

ومن علم التصوف الجائز تدرَّعُوا إلى علمه المشوب، ثم إلى الكفر، … وزعموا أن من أجهد نفسه في العبادة مغبون، ومن تمسّك بالشريعة محجوب، وأن هناك باطنا يخالف الظاهر إذا عرفه كَمُلَ وانحلَّ عنه التكليف، ويسمونه مرشدا، صدقوا ولكن مرشد إلى النار."(1)

من خلال هذا النص تنكشف لنا رؤية الشيخ اطفيش إلى علم التصوف، وتمييزه الدقيق بين الجائز منه والمحظور، وتمسكه بالالتزام بالشريعة الإسلامية في عِلْمَيها الظاهر والباطن، فلا انفكاك لأحد منهما عن الآخر، ثم دعوته إلى تفسير نصوص القرآن والسنة وفق قواعد اللغة العربية الفصحى لأنها الوعاء المبين لمعانيها من دون إيغال في التأويل، وخروج عن مقاصد الوحي.

5) - علاقة علم الأخلاق بالعقيدة والفقه

إن التداخل الحاصل بين العلوم والمعارف وتشابك علاقاتها وتفاعلها في الممارسة التراثية ميزة أساسية تدل على التوجه التكاملي في التراث الإسلامي(2).وقد كان الشيخ اطفيش أنموذجا يعكس لنا هذا التوجه السائد في الفكر الإسلامي، حيث يتجلى لنا التداخل في مستويات مختلفة من فكره، مما جعل الآراء العقدية تمتزج بالمباحث الأخلاقية والأحكام الفقهية تجتمع بالمعاني الصوفية، وكان يعنى في مصنفاته بالفقه والتوحيد والأخلاق، وهي فنون متداخلة في نسق تكامليّ. ونعرض مثالا واحدا لتوضيح هذا الملحظ:

(1) _ المصدر السابق، ص:39_41

(2) _ يراجع عن التداخل المعرفي وتكامل التراث: طه عبد الرحمن: تجديد المنهج في تقويم التراث، نشر المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط3، 2007، ص:89 وما بعدها. وعن مشكلة الحد الفاصل بين العلوم: كارل بوبر: منطق البحث العلمي، ترجمة: محمد البغدادي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2006، ص:69_82

١٨ / ٢٠