مباحث علوم القرآن في تيسير التفسير للشيخ اطفيش
الجزء ١ · صفحة ٢٧٩ولو مع كثير منها لا يصح عندي ليستريح إِليها القارئ والمستمع"(1).
هذا السبب الذي من أجله ساق الشيخ القصص وأطال فيها في الحقيقة لا يجب أن يقبل بحال؛ لأن القرآن ساق لنا أحسن القصص فلا بد أن تفسر بأحسن الكلام وأعذبه لا بذكر الغرائب وسوق الروايات الضعيفة، علاوة على ذلك أن القرآن بحد ذاته طمأنينة للمؤمن وشفاء له وسكينة، ولا يمل منه القارئ فيحتاج إلى من يلطفه بأمثال بعض القصص التي ساقها الشيخ ـ رحمه الله ـ، ومن جهة أخرى ما الفائدة من إيراد أمثال هذا القصص في التفسير؟ مع إيمان الشيخ بأنها ليس لها أساس من الصحة، وأنها أخذت حيزا كبيرا من التفسير، والشيخ أراد من تيسيره أن يكون مختصرا بالنسبة لهميان الزاد، والأخطر من هذا كله أن كثيرا من العوام عندما يقرأ هذا القصص في التيسير يأخذ به دون تدقيق ولا تمحيص وكأنها مسلمات قطعية، وإذا نبهته على شيء منها اعترض قائلا: " ومن أنت حتى تبلغ مقام القطب، أو تعقب على شيء من قوله، ويرميك بالتبديع وبالخروج عن المذهب" والمسألة واضحة لا تقبل النقاش.
فالأصل أن نتعامل مع القصة القرآنية بأنها وحي إلهي وحقيقة لا مجال للخيال فيها أو الزيف أو الخرافات أو الأساطير، فضلا على أن نزيد فيها ما لم يثبت قطعا كالأحاديث الضعيفة، أو قصص الغرائب والعجائب، أو نسمي المبهمات سواء لأشخاص أو أسماء أو أعداد، ويغنينا ما ذكره الله في القرآن عن اللجوء إلى هذا كله لأن القصص القرآني مستقل بذاته؛ فلو كان في تعيين المبهم فائدة ترتجى لبينها سبحانه أو بينها رسوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث صحيح. فالأصل أن نسكت عما سكت عنه الشرع ولا نزيد على ذلك قيد أنملة.
فأغلب ما أورده الشيخ من القصص في تفسيره يعد من قبيل الإسرائيليات(2) التي تسربت إلى كتب التفاسير وامتزجت به، وراجت بين المفسرين، واستوت في ذلك تفاسير المتقدمين والمحدثين، على تفاوت بينهم في القلة والكثرة في النقل، فمنهم من عقب عليها بعد ذكرها ومنهم من سكت عنها.
أمثلة على قصص إسرائيلية عقب عليها الشيخ ـ رحمه الله ـ:
ذكر في معرض قوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: 7ـ 8] حيث قال: " عن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها فوجدها مبنية بالذهب والفضة والياقوت، وأنواع الجواهر والعيون، والشجر المثمر في أزقتها مفروشة بذلك وبالمسك، فحمل ما قدر عليه مما فيها، فاستحضره معاوية فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله فقال: هي إرم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أشقر قصير على حاجبه خال، وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل.
(1) - المصدر نفسه، ج6، ص406.
(2) - الإسرائيليات هي روايات من أسلم من أهل الكتاب نقلا عن ثقافتهم السابقة المرتبطة بكتبهم المقدسة وشرحها. ويبقى موقف المفسر من الإسرائيليات الحيطة والحذر، والإعراض عن روايتها، لعدم الحاجة إليها. [انظر: المجالي، الوجيز في علوم الكتاب العزيز، ص211. محمد أبو شهبة، الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، ص12].