الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٧ولم نجد له حقيقة علم، ولا حسن رأي، ولا قوة فعل ينتفع فيه بنفسه، ولا ينتفع منه غيره به، وإنما يتكلم بما لا يعلم وهو مشاقق أن لا يسلم، وكيف يكون له ومنه وفيه شيء غير ذلك، فافهم المعاني في علم المادة، وعلم الغريزة.
فإن القليل من علم المادة في كثير علم الغريزة كثير، والكثير من علم المادة مع القليل من علم الغريزة يسير، ولا يكاد ينتفع علم الغريزة إلا بعلم المادة، ولا مجال أنه لا ينتفع أحدهما إلا بصاحبه، ولكن ربما كان كثير علم الغريزة يستخرج بإلهام الله - تبارك وتعالى - من علم المادة، ما لا يستخرج قليل الغريزة كثير علم المادة، ولا توفيق لأحد من الخليقة في شيء من الأمور إلا بالله رب العالمين، هو حسبنا في جميع أمورنا، فنعم المولى ونعم النصير.
فإذا أبصر العبد أمرا من الأمور من إلهام الله له، انتفع بمادة ما أمده من تلك المكتسبات، وأسور عن نفسه فيما قد هداه إليه الله أو كان غيره أكثر تجاربا فيه، وأقدم سنا منه، وأكثر تعاهدا له منه، لحسن نظره فيه، ولو لم يعرف ذلك من أحد من البشر، ولا عدم تبين ذلك، ولا أكثر من تلك النقود والسيوف والبروز وجميع الأشياء التي تتفاضل، وتخرج أحكامها بالنظر، وربما كان صغير السن قليل التجارب في ذلك أبصر من قديم السن، كثير التجارب، والتعاهد في ذلك، وربما وجدت كبير السن كثير التعاهد والتجارب في ذلك، لا يبصر منه شيئا من دقائقه، وربما وجدته يبصر دون من هو بمنزلته في ذلك، وهو بمنزلته أبصر منه، وهذا ما لا يخفى على من فتح الله له نظرا فيه، ونظرا في أمور الناس، واختلافهم فيه، وهذا إنما يبصر كله ببصر العين، ونور القلب، لا بغير ذلك يدرك.
وأمور الناس لا يدرك اعتبارها، ولا تمييزها، إلا بأصل العلم الذي وصفته لك، الذي يعرف به البار منهم والفاجر، والمؤمن منهم والكافر،