الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٨والكاذب منهم والصادق، والمشرك منهم والمنافق، وما لا يحصى من أسمائهم وصفاتهم، ويكون لمن علم تلك الأصول مادة نظر، ونور قلب وبصر، يعرف به تمييز دبيب الذر، إذ ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الشرك في أمتي أخفى من دبيب الذر على الصفا" فأين لك بهذا القلب وهذا النور، إلا أن يوفق الله لشيء من الأمور؟ فإنه على كل شيء قدير، ويحتاج إلى نور قلب، يميز به بين الغراب من الغراب، والماء من الماء، إذ ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المنافق بالمؤمن أشبه من الغراب بالغراب، والماء بالماء".
فهذا العلم الدقيق لا يعرف عندي بعلم المواد، وعلم المكتسبات، وإنما يعرف بما يهتدي إليه من علم المكتسبات، مع صحة نور القلب، وجمة العقل والآلة، و إلا فتاه في ذلك وحار وغرق، في عميقات البحار، ولم يميز بين الفجار والأبرار، ولا الأخيار ولا الأشرار، ولا المؤمنين والكفار، ولا أعلم تفاضلا في الخير والشر عند من هدي لذلك، وأبصر من تفاضل البشر، ومن دقائق العلم فيهم والنظر، فعليك فيهم بالحزم والحذر، قبل أن تدخل في أمورهم في كدر، وانتفع عند فضل الله وتوفيقه بالعلم والبصر، ولا يدرك العلم إلا بأحكام الأثر، ومحكمات الكتب والسير، وصحيحات الرواية والخبر، وإذا خالفت ذلك بترك ما نهى الله عنه أو أمر، في ولاية أو براءة على غير ما يحبه الله ويرضاه، أو شيء مما أوجبه الله عليك أداه عمى، وصمما، وغشاوة، وبكما؟ فإنه قيل: من لم ينفعه قليل الحكمة ضره كثيرها، وما التوفيق إلا بالله.