المعتبر محمد بن سعيد بن محمد الناعبي الكدمي أبو سعيد

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣١

ولا من بعد، فهو على حال ولايته، ولا أعلم في ذلك اختلافا، فافهم هذه المعاني فإنها من دقائق الولاية والبراءة معي، وقليل مبصرها ومميزها، إلا من هداه الله إلى ذلك.

فإن قيل لك: كيف افترق أمر المبتدىء بالبراءة منهما، وأمر المبتدىء بالقتال منهما، وكلاهما في الأصل مبتدئان بأصل محجور؟

قيل له: إن المبتدىء بالبراءة مبتدىء بالقذف، والقاذف مخلوع على كل حال، ولو كان في سريرته عالما بما يجوز به الخلع والبراءة ممن برىء منه، فإذا أظهر البراءة منه مع وليه فهو قاذف والقاذف مخلوع لا عذر له في الإسلام، ولا محتمل له، و المبتدىء بالقتال، والقتل مبتدىء بما يحتمل حقه وباطله وخطؤه وصوابه، لأنه إن كان محقا، أو كان له ذلك في السريرة في علم الله، فذلك في دين الله غير محجور، وقد يكون من المسلمين إذا كان لهم ذلك، وليس عليهم ترك ما لهم من الانتصار في الحقوق، التي لهم على من ظلمهم في مال، أو نفس عن أخذ ما يجب لهم، إلا أن تحيل بينهم وبين ذلك حجة حق، والقاذف و المتبرىء ليس له ذلك في حكم الظاهر، ولو كان لا يعلم منه أنه عالم بذلك بما لا يستحق القاذف القذف، ويستحق الخالع الخلع، فإن ذلك محجور في الاصل دين الله، فالفعل في هذا غير القول بهذا في الإجماع، لأنا مجمعون أن له أن ينتصر من ظالمه والمعتدي عليه، إذا لم يقدر على من ينصفه ويوصله إلى حقه من نفس ما يجب له من الحق، ومجمعون أنه ليس له أن يظهر القذف، بان ذلك ليس بانتصار، وأنه محجور عليه.

فإن قال: فما زال حكم القذف عنهما جميعا، وقد برئا من بعضهما بعضا مع من يتولاهما، وهما قاذفان لبعضهما بعضا، فكيف جاز لمن يتولاهما وهما قاذفان؟

قيل له: لأن وليهما لم يعلم أيهما القاذف فيبرأ منه بعينه، و المتبرىء منهما في الأصل غير معلوم فيبرأ منه بحكم القذف، فلما غاب ذلك احتمل للمبتدىء أن يكون قذف باطلا فيبرأ منه الآخر بحق، واحتمل أن يكون برىء بحق، و برىء منه الآخر بباطل، واحتمل باطلهما كلاهما، واحتمل