المعتبر محمد بن سعيد بن محمد الناعبي الكدمي أبو سعيد

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٠٠

الاختلاف، إذا احتمل صواب الاختلاف بوجه من الوجوه وليس لمن جاء بعدهم حكم غير حكمهم، ولو كانوا قد حكموا بباطل، وحاشا أهل الحق من الباطل، فحكم المختلف فيه، مختلف فيه أبدا إلى يوم القيامة. وحكم المجمع فيه مجمع عليه أبدا إلى يوم القيامة، ولا يقبل نقض ذلك، ولا تغييره من أحد من الحاكمين ولا من غيرهم من الخليقة، والمصيب المهتدي من هداه الله للاتباع والاعتصام لمعنى صحة الأحكام.

وما لم يصح من أهل الدعاوى - من جميع المدعين - في أمر حكم الدنيا، أو حكم الدين، تخطئة للمدعى عليه، ولا قذفا منهم له بشيء مما لا يسع جهله، فجميع المدعين في أمر أصول الدنيا أو الدين، كلهم في الولاية، عند من ثبتت عليه ولايتهم، أو أصلحت له ولايتهم في المستأنف، ولا يجوز ترك ولاية المدعين ولا لأحد منهم، من أجل ثبوت دعواه، لما يحتمل فيه صوابه وباطله، من جميع العالمين، ولا يجوز تصديق مدع على ما ادعى عليه من جميع الثقلين في أمر الدنيا ولا في أمر الدين.

بذلك جاء الحكم المجمع عليه، عند من أبصر الأحكام، ولم يقلد دينه أحدا من الأنام، وجاء الأثر- الذي لا نعلم فيه اختلافا - بين أهل البصر، أن أحكام الدعاوى كلها، ما لم يصح خروجها من معنى الدعاوى، فإنها كلها موقوفة مشكلة، لا يجوز فيها الحكم بالإجماع، إلا أن يخرج حال المدّعى من حال الاحتمال، في أمر دعواه، ذلك في دين أو دنيا، إلى صواب لا شك فيه، بقيام الحجة له، أو إلى باطل لا شك فيه بقيام الحجة عليه.

وأما ما لم ينكشف حاله، ويتحول عن حال الدعاوى المحتملة، إلى حال ما لا احتمال فيه، فلا يجوز الاجتماع فيه، ولا إِخراجه على أحكام إلى غير حكمه، وأن الفاعل لذلك بشهادة أو ولاية أو براءة، أو حكم أو بوجه من الوجوه، مبطل ضال عن سواء السبيل، وأن المدعي على المدعى خلاف ما يدعي مما يحتمل له حكمه، ويثبت له في الإسلام حكمه من الاحتمال، لا تخرج دعواه من حكم هدى إلى حكم ضلال، ولا حكم إيمان إلى كفر، فالمدعى عليه شيئا من ذلك، ولو تكافأت دعاويه ودعاوى