الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٤١فالحلال هو المباح، لأن أصله كان حلالا إلا ما حرّمه الله عليهم بالاستثاء، فليس عليه ترك ولا ركوب الحرام المستثنى إذا قدر عليه، وبلغته الحجة به، وله أن يركب الحلال مباحا له من الماكولات والمشروبات والملبوسات والمركوبات والمنكوحات، وليس عليه في ذلك أن يعلم أنه حلال إذا وافق ولم تقم حجة الحلال من الحرام من حجة العقل، إلا من وجه الترك للأشياء كلها من حلالها وحرامها، إِذا صح أن فيها حلالا وحراما، فإن ركب ما ركب من الحلال والحرام على أنه متحرِّ منه الحلال، تارك منه الحرام، معتقد لطلب علم ذلك، معتقد للتوبة من جميع ما خالف مما ركبه من المحللات إلى المحرمات لم يضق عليه ذلك، ولم يكن هالكا لأن السائل سالم و الشاك هالك، ولا يكون الشاك إلا بعد العلم، والمضيع للسؤال لما يعلمه مما قد لزمه تركه، فركبه أو لزمه العمل به فلم يعلمه وضيع ما لا يقدر عليه من اعتقاد التوبة في أصل ما يأتي من ذلك وما يتركه مما لا يجوز له تركه، ومما لا يجوز له ركوبه في أصل ما تعبده الله به، ولن يهلك عند الله في دينه - معنا - إلا مُصِرُّ على ذنبه، قادر على الخروج منه بعينه، فلمِ يخرج منه، لقول الله - تبارك وتعالى -: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)(1).
فالتوبة في الجملة مما لا يقدر على الوصول إلى علمه، كالتوبة من الشيء بعينه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والعاجز عن الشيء معذور عنه، والمجتهد بصدق المناصحة بغير خداع ولا تقصير في مجهود، فلن يكلفه الله فوق طاقته.
فافهم ذلك تصِب إن شاء الله تعالى.
(1) -135 من سورة آل عمران.