الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٧١-
وما كان يدعى إلا إلى ذلك، ولو علم الله منه خيرا، أو فيه خيرا لقالها قبل ذلك، وذلك قوله -تبارك وتعالى- مما يدل على هذا: (هَلْ يَنْظرُونَ إلَآ أَن تَأتيهَمٌ الْملائِكَةُ أَو يَأتِيَ رَبكُ أَو يَأتي بَعْض آيَاتِ رَبكَ، يَوْمَ يَأتَي بَعْض آيآتِ رَبكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُها لَم تَكُنْ آمَنت مِن قَبل أو كَسَبتْ فِي إِيمَاِنها خَيْرا قل انْتظِرُوا إنَا منتظِرَون)(1).
فإذا جاء أمر الله إلى العبد بالهلاك، ونزل به أمر الهلاك ببعض آيات الله، التي يعاين بها أمر الموت والانتقال من أمر الدنيا إلى الآخرة، ذهب حكم العمل في الدنيا وحصل أمر ما هو قادم عليه للآخرة.
ومعي أنه قيل: (لَا يَنْفعُ نَفسا إيمَانها لم تَكُنْ آمَنتَ من قبْلُ)، أنه المشرِك الذي لم يكن آمن، فلا ينفعه إيمانه حين ذلك، (أَوْ كَسَبَت فِي إِيمَانِهاَ خَيْرَا)، أنه المقر بالإيمان المصُر على شيء من العصيان، على صغير أو كبير لم يتب منه، حتى عاين آيات الموت، أو بعض اياته، فلا تنفعه حينئذ توبة، إذا لم تكن التوبة قبل ذلك، وهو معنى قوله تعالى: أو كسبت في إيمانها خيرا، والخير ها هنا التوبة - فيما عندي -أنه قيل لا نعلم أن العبد يهلك إلا بأحد هذين، أما أن يموت مشركا أو كافرا، وإما أن يموت مصرا مقرا، والإصرار مع الإقرار مشِبه في المهالك للجحود والإنكار، فهما طريقا النار، نستجير بالله من النار، ومن كل قول أو عمل أو نية تؤدي إلى النار.
ومعي أنه قيل: إن هذه الحقوق التي ليس لها غاية تنقضي فيها من الأعمال، لا يهلك العبد ما لم يعزم على ترك أدائها، أو يدين بترك أدائها، ما كان في جملته دائنا بجميع ما يلزمه في دين خالقه، ما لم يحضره الموت الذي يجب عليه فيه الوصية باللوازم، التي عليه أن يوفى بها، وذاكر لذلك قادر على الوصية فلا يوصي، فإذا كان ذلك، فمعي أنه قيل: لا يسعه، ويسعه على
(1) -158 من سورة الأنعام.