الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٩القول، أو التصديق والإيمان، وما لم تبلغ الحجة، فمن منة الله وفضله، الصحيح حكمها معنا؛ أنه لن يُضل إلا بحجة وبيان كما أنه ـ تبارك
"
وتعالى - لن يثيب إلا بطاعة ثابتة، كذلك لن يعاقب إلا بذنب. ومن لم يبلغ الحجة بمسموع، أو بمنظور، أو بخاطر قلب، أو إلهام، أو برؤ يا في منام، أو تأس بفاعل يرويه، أو ببلوغ خبر فعل فاعل، أو بما يشبه هذا، فلن يكلف الله - تعالى - العباد مما ألزمهم في دينه، إلا ما بلغتهم الحجة به، من أمره ونهيه؛ لأنه شاء ذلك بفضله، أن يعبد ببيان وإعذار
وإنذار، ولو شاء غير ذلك، كان ذلك منه عدلا، كما كان هذا فضلا منه
ونقول: إنه لو عذب العباد على غير حجة، ولا إبلاغ دعوة، ولا
إعذار ولا إنذار، لكان في جميع ذلك عدلا، كما كان في هذه المنن متفضلا، ولكن شاء بكرمه وفضله، أن يكون ما شاء ذلك من، فكان سبحانه ذا الفضل والامتنان، والجود والاحسان، وقد قال الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً، قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأَنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ، أَيْنَكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى، قُل لَّا أَشْهَدْ، قُلْ إِنما هُوَ إِلَهُ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مَا تُشْرِكُونَ) (1)
وإنما الإنذار وقيام الحجة بعد بلوغها؛ ثبت بذلك في الكتاب. وعلى ذلك أجمع أولو الألباب.
ومن لم تبلغه الحجة التي يكون مدركا بها الهداية؛ لو اهتدى، ولا يقطع في ذلك فيما معنا عذره، ولا يهلك إلا بقيام الحجة، وذلك ما لا نعلم فيه اختلافا، فحجة السمع لا تقوم إلا بالمسموعات، أو ما يشبهها من
المنظورات.
1 - الآية (19) من سورة الأنعام.
- 09 -