المعتبر محمد بن سعيد بن محمد الناعبي الكدمي أبو سعيد

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ١١٣

أوتُوا الْكِتَابُ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقِّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) (1). فثبت أن المقصود بالمسجد الحرام في قول الله ـ تعالى ـ؛ هو الكعبة وأن

الحرم كما قال الله - تعالى - يعتبر قبلة لأهل المسجد الحرام، وأنه لا صلاة لأحد إلا باستقبال الكعبة، وأن المسجد الحرام كله لأهل الحرم، وأن الحرم كله قبلة لأهل الآفاق، وأن ذلك الحرم كله مسجد، بدليل قول الله - تبارك وتعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم متعَمِّدًا فَجَزَاءُ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيَا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَت ومَنْ عَادَ فَيَنتَقمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامِ) (2)

فقد ظهر المقصود في جزاء الصيد، أن هديه يبلغ الكعبة، وثبت أن الكعبة مقصود بها الحرم كله، وأنه حيث ينحر الجزاء من الصيد، فالهدي والضحايا في المناسك إذا قدمت في شيء من الحرم، فقد بلغ بذلك الكعبة، وأنه يصبح مقربا في الكعبة، فلا يجوز أن يقرب أحد من المشركين إلى دخول الحرم، لثبوت قول الله - تبارك وتعالى -: {فَلا يُقْرَبُوا المسجد الحرام بعد عامِهِمْ هَذَا، فذلك التحريم قائم عليهم على الأبد

وكذلك حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم المسجد النبوي في المدينة، وقد قيل فيه إنه مثل حرم الكعبة، وأن حرم الكعبة هو البيت الحرام الذي حرمه الله - سبحانه وتعالى ـ على لسان خليله إبراهيم، صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم، وكذلك حرم المدينة المنورة حرّمه الله - تبارك وتعالى ـ على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأنهما حرمان جميعا بالسواء في ذلك، تحريم شجرهما وصيدهما، وكذلك فإن الجزاء الذي يقع على من ينتهك حرمة أي واحد منهما، جزاء واحد في ذلك، على ما جاء في ذلك من الحديث والخبر عن أهل العلم.

(1) الآية (144) من سورة البقرة. (2) الآية (95) من سورة المائدة.

- 113 -