الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٦٨على الدينونة بتركها أو الاستخفاف بها كان جاهلا
فإن قال: فإذا كانت السجدة صلاة على هذا المعنى، فهل يجوز لك أن تسجد بعد العصر قبيل أن تغرب الشمس، أو تسجد بعد صلاة الفجر حتى قبيل أن تطلع الشمس، أو لا تسجد إذ أنه لا صلاة في هذين الوقتين؟
قيل له: إن معنى أن السجدة صلاة يفيد أنه يجوز أن تسجد بها في هذين
الوقتين، لأنها سنة ثابتة لمعنى التلاوة، أو لمعنى الانصات للتلاوة، سواء كان ذلك في أي وقت من الأوقات، وعلى أي وجه من الوجوه كان ذلك، وقد جاءت السنة به كذلك، ولا نعلم أن وقتا. من الأوقات لا تجوز فيه قراءتها،
ولا ثبت أنه حرم في أي وقت سجودها في القراءة ولا الانصات إليها. ومعي؛ أنه في بعض القول أن من تركها من المسلمين فقد ترك قراءتها في هذين الوقتين، وأنه لا يسجدها، وذلك أن معنى هذا مما يقوي القول بأنها صلاة، ولما كان قد ثبت عند من قال بذلك أنها صلاة، وثبت عنده أيضا أنه لا صلاة في هذين الوقتين، فقد ترك قراءتها فيهما وترك سجودها، وفي معنى هذا أنه أراد أن يخرج من الريب، وهذا مما لا عيب فيه ولا ذنب، وقد قيل: الله امرءا ترك الحلال مخافة الحرام، ومن قال بترك قراءتها في هذين الوقتين فقد ترك تلاوة آية من كتاب الله، على معنى خوف الاثم، وذلك إذا لم
رحم
يتقدم
معه
في ذلك صحيح علم.
ومعي؛ أنه من أفضل التعبد معنا الله تعالى، أن يترك المرء جميع ما يريبه إلى ما لا يريبه، مصداقا لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين، حتى يدع - أو يذر - ما لا بأس به، حذرا مما به بأس. وقد ورد عنه قوله: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» وقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: كنا ندع سبعين بابا من الحلال
- 168 -