بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٦١

وأوصيكم بتقوى الله الذي لم يزل عالما لم يغرب عن علمه شيء ولا يحدث شيء إلا وقد كان به عالما قبل أن يخلق الخلق بعلمه فيهم، وخلق الملائكة والنبيين والمؤمنين الذين ولدوا وثبتوا على الإيمان، وعليه ماتوا، فهؤلاء كانوا في ولاية الله قبل أن يخلقهم لم تنقطع تلك الولاية عنهم، فأخبرنا عن أمر الله والدين، هل يتغير وهو قائم على حالة واحدة، فإن زعمتم أنه قائم على حال واحد لا يتغير فقد أمر الله موسى أن يأمر قومه أن يقتلوه أنفسهم حين ظلموا أنفسهم باتخاذهم العجل، فقتل بعضهم بعضا حتى بلغت قتلاهم فيما بلغنا سبعين ألفا ثم رفع عنهم القتل وتاب عنهم، وأمر الله محمدا صلى الله عليه وسلم أن ينهى أمته أن يقتلوا أنفسهم فقال: * (*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً*) *(1).

فهذا خلاف لما زعمتم أن ولاية الله للملائكة والنبيين والمتقين على الشرك الذين سبق لهم في علم الله السعادة واحدة، وكيف يكون في ولاية الله من أمر الله نبيه أن يقاتلهم ويبرأ منهم، وقد قال: * (*فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ*) *(2).

وزعمتم أن من لعنه الله فلا يتولاه الله أبدا، وقد قال الله تعالى في الذين قذفوا عائشة وصفوان: * (*إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ

(1) الآيتان: 29 - 30 من سورة النساء.

(2) الآيتان: 2 - 3 من سورة التوبة.

١٬٠٣١ / ٤٬٣٨٩