بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٣٢

معاصيه مما تقوم به الحجة من السماع، لكان ذلك مما لا يقدر عليه، ولا يطيقه، ولكان إذا لم يطق ذلك مضيعا لدين الله، وتاركا له، وإذا كان ذلك كذلك كان عاصيا لله، لعله هالكا عندي، وإنما يسلم الإنسان من المعصية عندي إذا ثبت له دين الله.

وقد قيل أيضا: إن كل مولود وناشئ في جميع الأقطار من البر والبحار، والمسافي والأمصار، من أولاد أهل الشرك أو أهل الإقرار، من أهل الحرب أو أهل الذمة أو أهل النفاق، أو الأبرار الأخيار من جميع الثقلين، لا فرق بينهما في دين الله، في بقعة دون بقعة، ولا أرض دون أرض، ولا مولود دون مولود، فكل واحد منهم إنما يلزمه حكم ما خصه من جميع أحكام دين الله تبارك وتعالى من جميع ما بلغت إليه دعوته، وقامت به عليه حجته، مما تعبده الله، ومعذور عما سوى ذلك، وثابت له معنا على هذه الحال التوحيد والإقرار والإيمان والتصديق والولاية، وأنه مقر بالجملة في أصل ما تعبده الله به، ومقر بجميع ما فيها من دين الله تبارك وتعالى من الإيمان بالله وملائكته، وكتبه ورسله، وجنته وناره، والبعث والحساب، وجميع تفسير توحيد الله بحقه، وصدقه وبجميع ما يسع جهله من دين الله، وما لا يسع جهله، ومؤديا لجميع اللوازم منتهيا عن جميع المحارم، ولو لم يبلغه من جميع ذلك دعوة، ولا قامت عليه في شيء منه بعينه حجة، ولا نزلت به منه بلية.

فأي حجج الله في شيء من دينه نزلت به بليته كان متعبداً في ذلك بما يلزمه فيه بعينه من الجملة، أو تفسيرها من التوحيد، أو الوعد أو الوعيد، أو من الفرائض واللوازم، أو من المحارم والمآثم، فإن قام بذلك الذي تعبده الله به من دينه، من قول أو عمل، أو نية أو علم توحيد، أو وعد أو وعيد، أو ترك محارم أو غير ذلك من دين الله، كان مطيعا لله، وسالما في دين الله، وكان على حالته المتقدمة.

وإن ضيع ذلك، ولم يقم بما تعبده الله به، بطل عنه حكم ما كان ثابتا له، وزال عنه، فإن كان ذلك الذي ضيعه ولم يقم به مؤديا له إلى

١٬١٥٠ / ٤٬٣٨٩