الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٠٨اختلافهم اختلاف رأي، ولا أن المختلفين بالرأي اختلافهم دعاوى، فافهم هذا وتدبره.
فأما اختلاف الرأي فكل حادث لم يأت فيه حكم من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من إجماع المسلمين، ولا ما أشبه ذلك، فللعلماء أن يجتهدوا آراءهم في ذلك الحادث، وعليهم ولاية بعضهم ببعض، ولو تضادوا في آرائهم واختلفوا، فأحل بعضهم شيئا وحرمه بعضهم، أو تولى بعضهم أو برئ بعضهم، فعلى المحل أن يتولى المحرم، وعلى المحرم أن يتولى المحل، وعلى المتبرئ أن يتولى المتولى، وعلى المتولى أن يتولى المتبرئ، ولا يجوز لهم الافتراق في هذا الموضع، وعلى من علم باختلافهم ذلك وتضادهم وافتراقهم أن يجمع بينهم في الولاية، ولا يجوز له أن يفرق بينهم، والجمع بين الأضداد هاهنا حلال ولازم، والتفريق بينهم هاهنا حرام وضلال.
وأما اختلاف الدعاوى فهو كل حادث كان يحتمل في دين الله لراكبه في علانيته معنيين، معنى الحق ومعنى الباطل، ومعنى الحلال أو معنى الحرام، أو معنى الهدى، ومعنى الضلال وما أشبه هذا، ولو كان لا يحتمل لراكبه في سريرته إلا معنى واحدا، إما حق وإما باطل، وإما حلال وإما حرام، وإما هدى وإما ضلال، فإن ركبه راكب شيئا يحتمل له في دين الله في علانيته معنيين: معنى الحق ومعنى الباطل، أو معنى الكفر أو معنى الإيمان، أو معنى الضلال أو معنى الهدى، ولو كان لا يحتمل له في سريرته في دين الله إلا معنى واحدا، إما حق وإما باطل، وإما كفر وإما إيمان، وإما هدى وإما ضلال، أو ما أشبه هذا.
فاختلف العلماء المشاهدون لحدثه، فادعى فريق منهم له معنى الإيمان، أو الحق أو الهدى، وتولوه على ذلك، وادعى أحدهم عليه معنى الباطل أو الكفر أو الضلال أو الحرام، وبرءوا منه على ذلك، وتضادوا في ولايته، والبراءة منه، وفي دعاويهم له وعليه، فهؤلاء