بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ١٢٦

من البدع لم تجز ولاية الآكل لها، وقد قيل: إن الآكل لهذه الأشياء كلها أو لبعضها إنه إن كان وليا فهو على ولايته، ولا تجوز البراءة منه، وإن كان في الوقوف فهو على حاله، ولا تجوز البراءة منه بذلك، وإن كان يبرأ منه فهو على حاله، ولا يجوز أن يبرأ منه بذلك.

فإن اختلف المختلفون في الآكل لهذه الأشياء كلها، أو في الآكل لبعضها فقال بعضهم: إنه أكلها من غير ضرورة وبرءوا من الآكل، وقال الآخرون: إنه أكلها من ضرورة غير باغ ولا عاد، وتولوا الآكل كان هؤلاء المختلفون كلهم في الولاية عند من كان يتولاهم قبل ذلك، ولم تجز البراءة منه من أجل اختلافهم، هذا لأن كل فريق منهم يدعي دعوى إن كان صادقا فيها، فهو محق في دين الله، ولا نجد الدين يشهد على أحد الفريقين بباطل، ولا لأحدهم بحق، وهؤلاء المختلفون وإن كانت أقاويلهم متضادة، مختلفة فإنها في الدين متفقة مؤتلفة، لأن كل واحد من الفريقين يدعي دعوى هي جائزة في الدين عند العلماء، ولا يشهد الدين ولا العلماء ممن خفي عليهم، أم هم على أحد من الفريقين بباطل ولا بكذب، ولا بخروج من الدين، فمذاهبهم في الحق مؤتلفة، والعالم باختلافهم أن كل فريق من المختلفين إن كانوا ممن يعلم الحكم في ذلك، فهو يعلم أن كل فريق منهم يدعي دعوى فهي جائزة في الدين.

فمذاهبهم متفقة في الدين، وأقاويلهم مختلفة متضادة في الدعاوى، وعلى الفريق المحق منهم أن يبرأ من الفريق المبطل منهم، لأنه يعلم أنه كاذب في دعواه، كافر منهم، عند من يتولاهم من أوليائهم الذين لم يعلموا بكذبهم، فيكونون قاذفين مبيحين للبراءة من أنفسهم عندهم، وعلى الفريق المبطل أن يتولى الفريق المحق إذا كانت قد ثبتت ولايتهم عليهم قبل اختلافهم، ولا يجوز لهم أن يتركوا ولايتهم من أجل قولهم بالحق.

١٬٢٤٤ / ٤٬٣٨٩