بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ١٢٧

وأما المختلفون في البدع، فالله وملائكته والرسول والدين والعلماء يشهدون بباطل المبطل، وبحق المحق منهم، لا يكون الحق إلا عند أحد الفريقين منهم، ولا يجوز في الحكم الجمع بينهم في ولاية ولا براءة ولا تصويب ولا تخطئة، ولا ما أشبه هذا، والفرق بين الدعاوى المحتملة للحق والباطل والبدع التي لا تحتمل إلا الباطل واضحة بينة إن شاء الله عند من علمها.

فالمبتدع لا يصح له سلامة في حكم الظاهر من الكفر والضلال إلا بمفارقته لبدعته، وخروجه منها، واعتزاله عنها، وتوبته منها، والمدعي لما هو محتمل جوازه في الدين قد تصح له السلامة من الكفر والضلال، وهو مقيم على فعله مصر على دعواه، غير تارك لها، ولا خارج منها، ولا معتزل عنها، ولا تائب منها، كذلك لو تداعا متداعون عند الحاكم في مال في يد أحد الفريقين، أو في أيديهم جميعا، أو ليس في أيد أحد منهم، فادعى كل فريق منهم على الفريق الآخر أنا اشترينا هذا المال من هؤلاء شراء صحيحا ثابتا، وهو لنا إلى هذه الساعة، ولم يخرج من ملكنا وهو لنا حلال، وليس لهؤلاء فيه حق.

وقال الآخرون: ما بعناه عليهم، ولا اشتروه منا قط، وليس لهم فيه حق، ولا حق لهم، فعلى الحاكم أن يحكم بينهم في أحكام الأموال على قدر دعواهم من مدع أو مدعي عليه، أو متساوين في الدعاوى، وعليه في أحكام الولايات أن يتولى جميع المتداعين إن كان قبل تداعيهم.

هذا قد ثبت عليه ولايتهم، ولا يجوز له أن يبرأ من أحد الفريقين، وكذلك إن تداعوا في نكاح أو طلاق أو عتاق أو هبات أو وصايا أو إقرار أو غير ذلك، من جميع صنوف الأحكام، كان المتداعون اثنين أو أكثر من ذلك، فالقول في ذلك واحد، وليس لأحد الفريقين أن يقذف الفريق الآخر، ولو علم باطله عند من يتولاه ولا يخطئه ولا يضلله، فيكون مبيحا للبراءة من نفسه في أحكام دين الله، مبطلا في الظاهر في

١٬٢٤٥ / ٤٬٣٨٩