بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ١٤٦

وعن أبي المؤثر: لأن المسلمين اختلفوا بالرأي، فمنهم من قال ليس للإمام الشاري أن يعتزل إلا أن يتغيروا عقله، فلا يعقل أو يذهب بصره فلا يبصر، أو يذهب سمعه فلا يسمع، أو يذهب لسانه فلا ينطق، فحينئذ يسعه أن يعتزل، وليس للمسلمين أن يعزلوه إلا بحد يصيبه، فلابد أن يقيمه عليه إمام غيره، أو بذنب مكفر يسمونه بعينه شاهرا في البلد الذي هم فيه مع عامة المسلمين، فيحتجون عليه به، فإذا أصر ولم يتب حل عزله ومحاربته وقتله إن قاتلهم، كما فعل المسلمون بعثمان سموا بأحداثه وتنادوا بها في وجهه قبل محاربته، فلم يفعل موسى شيئا من هذا.

وقد قال بعض المسلمين: إن للإمام أن يعتزل إذا ضعف عن الأحكام وعن محاربة العدو، وللمسلمين أن يستبدلوا به من هو أقوى منه من غير أن تزول ولايته، فلما أقاموا راشدا إماما أثبت ولاة الصلت في مواضعهم منهم من كانوا يطعنون عليه، وينكرون ولايته، ومنهم من لم يكن يطعن عليه، ولم يعزلوا منهم إلا الأقل منهم من عزلوه، ومنهم من أعزل نفسه من غير أن يعزلوه، واستعانوا بأعوان الصلت، وقودوا قاده منهم الحواري بن بركة بعثه الصلت قائدا إلى وادي سمائل لتمنعه منهم، وهم في مسيرهم إلى الصلت، فلما ظهروا استعانوا بالحواري بن بركة على ما كان يستعين به الصلت عليه، وولوه على الماشية، وجعلوا قائدا.

ومنهم الحسن بن سعيد، كان وافدا للصلت إليهم، وحجة له عليهم، فيما بلغنا، فلما ظهروا عزلوه من الرستاق، وولوه جلفارا اختيارا منهما له، وثقة منهم بلا توبة، فلما ولوا الأمر لم يظهروا للصلت ذنبا، ولا عنفوا له حكما، ولا وجدوا منه مظلمة فيردوها، فإن يكن ظالما فقد ظلموا، إن لم يردوا المظالم، وإن يكن بريئا فقد كفروا ببغيهم عليه ومسيرهم إليه، وقد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ

١٬٢٦٤ / ٤٬٣٨٩