الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢١٣وإذا اختلف الرجلان في الدين، فأحل أحدهما ما هو حرام في الدين، وحرمه الآخر؟
فإن كانا من العلماء، فعلى من علم باختلافهما ممن قد علم باختلافهما أنهما من العلماء تصديق المحق منهما، ولا يسعه الشك في قوله، لأنه هو الحجة في ذلك، وليس بمخالفة المبطل له تزول حجته، لأن المبطل قد صار كاذبا سفيها جاهلا في دين الله، وعند العلماء بدينه يعلم ذلك من علمه من العلماء، وليس لجهل الجاهل بذلك بتغيير دين الله، وتبطل حجته عنده.
فإن قال قائل: فكيف يعذر الجاهل أن يعلم المحق منهما من المبطل، وهما جميعا عالمان؟
قيل له: لم يعذر الله من أوجب عليه قبول شيء من حججه، أو اتباع شيء من حججه أو ركوب شيء من حدوده، أو مخالفة شيء من دينه الذي لا تسعه مخالفته، لجهل من أوجب عليه ذلك، وكلفه إياه.
ولما كان العالم حجة من حجج الله فيما غيره من دينه، ونقله من دينه، يقوم به في ذلك ما يقوم بأنبيائه عند عدمهم، فأورثهم الله كتابه، وما جاءت به الأنبياء، وجعلهم الله خلائفه وأمناءه وورثة أنبيائه، لم يجز مخالفة العالم فيما قام به من دين الله، لجهل الجاهل بحقه، ولا الشك فيما قاله من الحق لمخالفة المبطل له، ولا شيء أوضح من حق تفسير العالم أو تبيينه، وإنما خفي ذلك على الجاهل لجهله.
وأما هو فعند العلماء بين واضح جلي، ولو كان كل من كلفه الله شيئا من دينه من صلاة، أو زكاة، أو إقامة حدود، أو ترك شيء من محرماته، أو قبول شيء من حججه، أو اتباع شيء من حججه.