بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢٣٠

فإذا بلغ إلى حال ما يكون فيه عاصيا لله في حكم دين الله، فهو كغيره من الناس، وأعظم حدث العالم، وأشد فتنة على الناس العالم إذا عصى الله، وخالف الحق من طريق القول بما يزعم أنه حق، وبما يزعم أنه دين، وبما يرى الجاهل أنه فيه عالم، أو بما يجهل الجاهل منزلة العالم في ذلك، من غير العالم.

وهذا موضع عظيم من عظيمات المهالك، وجاء الأثر مجملا أنه لا يجوز الوقوف عن العلماء برأي، ولا بدين، وإنما هو خاص فيما وصفنا مما يكون فيه الحجة، وفيما يكون فيه عالما بالحق، ولو تأول ذلك متأول أن ذلك لا يجوز الوقوف عن العالم برأي، ولا بدين في جميع الأمور، كان ذلك ضلالا وبدعة عظيمة وفتنة جسيمة.

ولو كان ذلك، لكان أهل الأديان يجوز لهم ولاية أئمتهم في الدين إذ لا يحل لهم الوقوف عنهم ما كانوا معهم في منازل أهل العلم في جهلهم بالعلماء، وأسماء العلماء، إذا ظنوا أنهم علماء، وظهر عليهم اسم العلم أنهم علماء بذلك أبدا، وذلك ضلال ومحال، ولا يكون العاصي لله أبدا من العلماء في هذا الاسم وإنما خص هذا الاسم للعلماء المحقين المستقيمين على سبيل الحق فيما قالوا من الحق، أو قاموا به من العدل، على ما وصفنا لا غير ذلك.

وذلك هو الأصل الذي قال به المسلمون، وأجمعوا عليه أنه يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه، أو يتولوا راكبه، أو يبرءوا من العلماء إذا برئوا من راكبه، فإذا تولوا العلماء على ركوب الباطل، لحقهم في ذلك حكم الولاية لأهل الباطل، وسواء علموا أن ذلك لهم، أو جهلوا، لأنهم قد ركبوا بولايتهم للمبطل، وهذا ما لا يختلف فيه، ولا يشك فيه مع أهل العلم.

١٬٣٤٨ / ٤٬٣٨٩