بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢٣٢

وقد قال الله تبارك وتعالى لنبيه في أهل الكتاب ليخاطبهم، وقد قالوا: ﴿إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ (آل عمران:183)، فقال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (آل عمران:183)، وقد صح معنا في العقول أن هؤلاء المخاطبين بأعيانهم لم يقتلوا نبيا ولا رسولا، وإنما قتلهم أسلافهم من الذين يدعون دينهم، ويسلكون سبيلهم، ويتولونهم على ذلك، فسماهم الله قاتلين للرسل، إذ تولوا قتلة الرسل صلوات الله على نبينا محمد وعلى جميع النبيين والمرسلين.

فمن يدعي ويقول: إن هؤلاء المخاطبين يقتلون الرسل منذ خمسمائة سنة أو أكثر أو أقل من ذلك، فهذا ما لا يكون، ولا تعقله العقول، ومن يقول إنهم لم يقتلوا، وقد سماهم الله قتلة قاتلين، وإنما قال أهل العلم: إنهم بولايتهم للقتلة، وتصويبهم لهم في دينهم، كانوا قاتلين وإن لم يقتلوا بأيديهم، ولم يأمروا بألسنتهم، ولم يرضوا بالقتل، إلا أنهم تولوا القتلة في دينهم، فهم بذلك قاتلون لا محال في دين الله تبارك وتعالى في التسمية، لقوله عز وجل: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (المائدة:51)، في دينهم، ومن كان منهم في دينهم لحقه ما لحقهم من السخط من الله والعقوبة، وإن لم يلحق المتولي ما لحق القاتل من القود والدية والعقوبة في الدنيا.

فافهموا رحمكم الله تأويل الآثار، والأخبار والكتاب، والسنة، ولا تحملوا الخاص من ذلك على العام، ولا العام على الخاص فإن في ذلك الهلاك في الدين، والخلاف الشديد لدين المسلمين.

قال غيره:

إنما أكتب هذه الآثار لأنها مما يستعان بها على أمر الاختلاف بين أهل عمان، وليحذر الهلكة عند مخالفة الحق، ويجتنب التقليد الذي قد جاء عن جميع الفريقين المختلفين، أنه لا يجوز التقليد في الدين في براءة ولا تضليل، ولا شيء من أمر الدين الذي ليس هو من الرأي.

١٬٣٥٠ / ٤٬٣٨٩