بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٣٥٧

حتى يصح معه ذلك، وتقوم عليه به الحجة في علم ما يلزمه من أحكام الشريعة في ذلك، ولولا ذلك حتى يلزم الناس فيمن مضى من الأئمة، ولم يدركوا زمانهم، كما يلزم في أئمة زمانهم المالكين لأمرهم، القابضين على مصرهم، والمشاهدين لهم في عصرهم، إذا قام مسلم بذلك، ومحال أن يكون في حكم الشريعة ما لا يقوم به مسلم، فكما لا يحصى عدد ورق الأشجار، كذلك لا يحصى عدد الأئمة من فاجر وبار، وإنما أنكرنا على أهل زماننا في موسى، وراشد لله رب العالمين إذا أنزلوهما، فإنه لا يسع جهلهما من لم يدرك زمانهما، إذ قد برئ منهما من قد برئ من المسلمين، وزعموا أنهما بغيا على الصلت بن مالك، ونحن ندين الله بالبراءة ممن بغى على أحد من الناس بغير الحق إلا أن يتوب.

وإنما أنكرنا على الفاسقين عن الحق ببدعتهم إذا لزموا الناس من لم يدركوا من الأئمة، كما يلزمهم في الحق فيمن أدركوه من الأئمة، وبين ذلك فرق بعيد يعرفه أهل الحق، ويجهله أهل الباطل، وألزمنا أنفسنا الإنكار على من أظهر البدعة لله رب العالمين، هربا من لعنته، ودينونة بطاعته، وتعرضا لرحمته، إذ سمعنا عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ظهرت البدع في أمتي فلم يظهر العالم علمه فعليه لعنة الله»، ونحن هاربون إلى الله من اللعنة بإنكارنا له البدعة عن أهل الفتنة، وندين لله بتحريم التجسيس عن عورات الناس، البار منهم والفاجر، والمتقدم منهم والمتأخر، إذ نقول لأهل الفتنة سل عن دينك، ويتأولون آثار الحق، وآثار أئمة الهدى تأويل الضلالات، إذ يلزمون الناس أن يسألوا عن فسق من لم يعرفوا فسقه، وعن بغي من لم يدركوا زمانه، وهذا نحن لله له منكرون ومبدلون ومغيرون، ولو لزم الناس هذا للزمهم أن يبحثوا ويسألوا عن الذين لا يعلمهم إلا الله إذ جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم، وقالوا: إنا كفرنا بما أرسلتم به، وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب.

١٬٤٧٥ / ٤٬٣٨٩